شهدت أسعار الدجاج في المغرب خلال الأسابيع الأخيرة تراجعًا لافتًا أعاد النقاش إلى واحدة من أكثر السلع ارتباطًا بالأمن الغذائي للمغاربة. فبعد سنوات اتسمت بتقلبات حادة في الأسعار، وجد المستهلك نفسه هذه المرة أمام انخفاض غير معتاد، بينما وجد المنتج نفسه أمام معادلة معاكسة، حيث تحولت وفرة الإنتاج التي كانت تمثل هدفًا استراتيجيًا للقطاع إلى مصدر ضغط اقتصادي يهدد هوامش الربح واستدامة الاستثمار. وبين فرحة المستهلك بانخفاض الأسعار وقلق المربين من اتساع دائرة الخسائر، يبرز سؤال أكبر: هل يعيش قطاع الدواجن مجرد دورة اقتصادية عابرة، أم أنه يكشف عن اختلالات أعمق في طريقة تنظيم السوق المغربية؟
في الظاهر، تبدو الصورة بسيطة؛ فكلما ارتفع العرض وانخفض الطلب، تراجعت الأسعار تلقائيًا وفق القواعد التقليدية للاقتصاد. غير أن ما يحدث داخل قطاع الدواجن يتجاوز هذا التفسير الكلاسيكي، لأن السوق لا تتحرك فقط بمنطق الأرقام، بل كذلك بمنطق التوقعات والاستثمارات طويلة الأمد، وسرعة دوران رأس المال، وقدرة الفاعلين على استيعاب الصدمات المفاجئة.
المهنيون يجمعون على أن السبب المباشر للتراجع الحالي يتمثل في فائض الإنتاج مقارنة بحجم الاستهلاك. فقد رفعت الضيعات قدراتها الإنتاجية خلال الأشهر الماضية استجابة لمرحلة سابقة عرفت ارتفاعًا في الأسعار، غير أن الطلب لم يواكب هذا الإيقاع، خاصة مع تزامن الفترة مع عيد الأضحى، حيث يتحول جزء مهم من الإنفاق الأسري نحو اقتناء الأضاحي ومستلزماتها، وهو ما يؤدي تقليديًا إلى انخفاض استهلاك لحوم الدواجن خلال تلك المرحلة.
غير أن الاقتصار على هذا العامل الموسمي لا يقدم تفسيرًا كاملاً لما يجري. فالقطاع يعيش منذ سنوات حالة توسع متواصل في الاستثمارات، سواء في وحدات التربية أو المفاقس أو مصانع الأعلاف أو المجازر الصناعية، مدفوعًا بقناعة أن الطلب الداخلي سيواصل النمو مع تزايد عدد السكان وارتفاع استهلاك البروتين الحيواني منخفض التكلفة. لكن أي توسع إنتاجي لا يواكبه تطور مماثل في أدوات التسويق والتوزيع والتصدير يتحول تدريجيًا إلى فائض يصعب امتصاصه داخل السوق الوطنية.
وهنا تكمن إحدى أبرز المفارقات الاقتصادية. فارتفاع الإنتاج الذي يعكس نجاحًا في تطوير القدرات الصناعية والزراعية قد يتحول في غياب التخطيط إلى عامل يضغط على الأسعار ويهدد الاستثمارات نفسها. وكلما استمرت الأسعار عند مستويات تقل عن تكلفة الإنتاج، يجد المربون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: الاستمرار في الإنتاج مع تراكم الخسائر، أو تقليص عدد الكتاكيت والدورات الإنتاجية، وهو ما قد يقود لاحقًا إلى انخفاض المعروض وعودة الأسعار إلى الارتفاع من جديد.
هذه الدورة ليست جديدة في أسواق الدواجن عالميًا، بل تعرف باسم “الدورات الإنتاجية”، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة الإنتاج، ثم يخلق فائضًا يخفض الأسعار، فتتراجع الاستثمارات، ثم ينخفض الإنتاج لاحقًا، قبل أن تعود الأسعار إلى الارتفاع مرة أخرى. ويصبح التحدي الحقيقي أمام المؤسسات هو كيفية كسر هذه الحلقة عبر أدوات استباقية تعتمد على التخطيط وليس فقط على ردود الفعل.
ومن هنا تبدو دعوات الفيدرالية البيمهنية لتطوير حلقات التسويق والتثمين والتوزيع والتصنيع والتصدير أكثر من مجرد مطالب قطاعية؛ فهي تعكس إدراكًا بأن المشكلة لم تعد مرتبطة بالإنتاج وحده، بل بالقدرة على إدارة الفائض. فحين يصبح السوق المحلي عاجزًا عن استيعاب الكميات المنتجة، يصبح التصدير، أو التصنيع الغذائي، أو التخزين الصناعي، أدوات ضرورية لتحقيق التوازن وليس مجرد خيارات إضافية.
كما أن هذه الأزمة تعيد طرح سؤال قديم حول بنية سلاسل القيمة داخل القطاع. فالفارق بين السعر الذي يغادر به الدجاج الضيعة، والسعر الذي يصل به إلى المستهلك، ما يزال يثير الكثير من النقاش. ففي أوقات كثيرة، تنخفض أسعار البيع لدى المنتج دون أن ينعكس الانخفاض بنفس الوتيرة داخل أسواق التقسيط، وهو ما يكشف عن وجود حلقات وسيطة تستفيد أحيانًا من اختلالات السوق أكثر مما يستفيد المنتج أو المستهلك.
ويفتح ذلك الباب أمام نقاش أوسع حول حكامة الأسواق الفلاحية بالمغرب. فنجاح أي قطاع لا يقاس فقط بارتفاع حجم الإنتاج، وإنما أيضًا بمدى شفافية مسارات التسويق، وكفاءة أنظمة المعلومات، وسرعة انتقال الإشارات السعرية بين مختلف حلقات السلسلة الإنتاجية. فكلما كانت البيانات متاحة بشكل يومي، واتسمت الأسواق بالشفافية، تقلصت فرص المضاربة والاحتكار وسوء استغلال الأزمات.
وفي المقابل، برزت خلال الأسابيع الأخيرة شائعات ربطت انخفاض الأسعار بانتشار أمراض بين الدواجن، وهو ما نفاه مهنيون بشكل قاطع، مؤكدين أن منظومة المراقبة الصحية لا تزال قائمة، وأن الأسعار المنخفضة تعود أساسًا إلى فائض العرض وليس إلى مخاطر صحية. ورغم ذلك، تكشف سرعة انتشار هذه الأخبار عن أزمة ثقة تعيشها الأسواق، حيث أصبحت الإشاعة في كثير من الأحيان تنافس المعلومة الرسمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمنتجات الغذائية.
اجتماعيًا، يمنح انخفاض الأسعار متنفسًا مهمًا للأسر المغربية، خصوصًا في ظل استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية خلال السنوات الأخيرة. فالدجاج يمثل المصدر الأكثر استهلاكًا للبروتين الحيواني بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، ولذلك فإن أي انخفاض في سعره ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية.
غير أن القراءة الاجتماعية لا تكتمل دون النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة. فاستمرار الأسعار عند مستويات متدنية لفترة طويلة قد يؤدي إلى خروج عدد من المربين الصغار والمتوسطين من السوق، وهو ما يهدد بفقدان مناصب الشغل في القرى والمناطق الزراعية، ويزيد من تركيز الإنتاج في يد كبار المستثمرين القادرين على تحمل فترات الخسارة.
أما اقتصاديًا، فإن استدامة القطاع لا تعتمد فقط على وفرة الإنتاج، بل على تحقيق توازن يسمح للمستهلك بالحصول على أسعار عادلة، وللمربي بتحقيق هامش ربح يضمن استمرار نشاطه. فغياب هذا التوازن قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ تتحول الأسعار المنخفضة اليوم إلى أسعار مرتفعة غدًا نتيجة تقلص الإنتاج، وهو السيناريو الذي شهدته أسواق عديدة حول العالم.
وتبرز هنا أهمية الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء سياسات استباقية تعتمد على التوقعات الدقيقة للإنتاج والاستهلاك، وتطوير أسواق التصدير، وتشجيع التصنيع الغذائي، وتحسين أنظمة التخزين والتبريد، مع تعزيز الرقمنة ونشر البيانات اليومية الدقيقة حول العرض والأسعار، بما يساعد المنتجين على اتخاذ قرارات استثمارية أكثر توازنًا.
إن ما يحدث اليوم في سوق الدواجن ليس مجرد انخفاض في سعر سلعة غذائية، بل اختبار لقدرة الاقتصاد الزراعي المغربي على إدارة الوفرة بنفس الكفاءة التي يدير بها الندرة. فالنجاح الحقيقي لا يكمن في إنتاج المزيد فقط، وإنما في بناء منظومة قادرة على تحويل هذا الإنتاج إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وفي النهاية، قد تبدو الأزمة الحالية مؤقتة كما يرى بعض المهنيين، وقد تمتد لفترة أطول كما يتوقع آخرون، لكن الدرس الأهم يظل ثابتًا: الأسواق لا تستقر بمجرد توازن العرض والطلب، وإنما تستقر عندما تتكامل الرؤية بين الإنتاج والتسويق والتصدير والحكامة. وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار اليوم ليس لماذا انخفضت أسعار الدجاج، بل كيف يمكن تحويل فائض الإنتاج من أزمة تضغط على المربين إلى فرصة تعزز الأمن الغذائي وتفتح أمام المغرب آفاقًا جديدة في الصناعات الغذائية والأسواق الخارجية.