أغرب انتخابات 2026؟… لماذا أصبح السؤال في المغرب أكبر من هوية الحزب الفائز؟

0
123

هل تغيّر معنى الانتخابات في المغرب؟… قراءة في التحولات الصامتة بين الدولة والأحزاب ورهانات 2026

ليست الانتخابات، في أي دولة، مجرد موعد دستوري يتكرر كل بضع سنوات، ولا مجرد منافسة بين أحزاب تتبارى حول البرامج والشعارات. فالانتخابات، في جوهرها، لحظة تُختبر فيها طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المؤسسات المنتخبة ومراكز صناعة القرار، وبين الإرادة الشعبية والقدرة الفعلية على تنفيذ السياسات العمومية. وكلما اقترب المغرب من استحقاقات سنة 2026، عاد النقاش من جديد حول سؤال يبدو أكثر عمقًا من مجرد معرفة الحزب الذي سيتصدر النتائج: هل ما تزال الأحزاب هي الفاعل الرئيسي في رسم السياسات العمومية، أم أن الدولة تتجه أكثر فأكثر إلى جعل المشاريع الاستراتيجية تُدار بمنطق الاستمرارية المؤسساتية، بعيدًا عن تقلبات الأغلبية والمعارضة؟

هذا السؤال لا ينبع فقط من الجدل الذي أثاره أحد الفيديوهات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، والذي ذهب صاحبه إلى الحديث عن “حزب أغلبي دائم” يتمثل في وزارة الداخلية، بل يجد جذوره أيضًا في التحولات التي عرفها تدبير الدولة المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت المشاريع الكبرى تُبنى وفق رؤية تمتد لسنوات طويلة، وتتجاوز عمر الحكومات المتعاقبة. وبين من يرى في ذلك تعبيرًا عن نضج الدولة واستقرارها المؤسساتي، ومن يعتبره مؤشرًا على تقلص المجال الذي تتحرك داخله الأحزاب المنتخبة، تتشكل مساحة واسعة تستحق التحليل بعيدًا عن الانفعال والأحكام الجاهزة.

لقد اعتاد المغاربة، منذ اعتماد دستور 2011، على الحديث عن تعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن الممارسة السياسية أظهرت في المقابل أن الملفات الاستراتيجية الكبرى، سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية، أو الأمن المائي، أو الأمن الغذائي، أو الأوراش الاجتماعية الكبرى، أصبحت تُدار بمنطق الدولة المستمرة، وليس بمنطق الأغلبية الحكومية العابرة. وهذا ليس استثناءً مغربيًا؛ فكثير من الدول تعتمد استراتيجيات طويلة الأمد تتجاوز الدورات الانتخابية، لضمان استمرارية المشاريع الكبرى وعدم رهنها بتغير الحكومات. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن تحقيق هذا التوازن دون أن يفقد الفعل الحزبي معناه أو يشعر المواطن بأن صوته الانتخابي لم يعد قادرًا على التأثير في اتجاه السياسات العامة؟

في هذا السياق، جاءت قرارات المجلس الوزاري الأخير، وما حملته من توجيهات ملكية تتعلق بتسريع عدد من البرامج الاستراتيجية، لتعيد النقاش حول طبيعة توزيع الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة. فمن الناحية الدستورية، يظل الملك رئيس الدولة والضامن لاستمرارها، كما يشرف على التوجهات الاستراتيجية الكبرى، بينما تتولى الحكومة تنفيذ السياسات العمومية في إطار اختصاصاتها. لكن في الممارسة، تبدو الحدود بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ اليومي أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشاريع ضخمة تمتد على سنوات وتتطلب تنسيقًا إداريًا عالي المستوى.

ومن هنا برزت وزارة الداخلية باعتبارها إحدى أكثر المؤسسات حضورًا في تنزيل عدد من البرامج الترابية، بحكم اختصاصها في تنسيق عمل الولاة والعمال والجماعات الترابية، وليس لأنها تقوم مقام الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة. فالوزارة، وفق القانون، تضطلع بأدوار إدارية وتنظيمية وأمنية وترابية واسعة، تجعلها فاعلًا محوريًا في تنفيذ عدد من السياسات، خاصة تلك التي تتطلب تنسيقًا بين الإدارات المختلفة. غير أن هذا الحضور القوي يثير، بين الفينة والأخرى، نقاشًا مشروعًا حول كيفية الحفاظ على التوازن بين الإدارة والسياسة، وبين السلطة التنفيذية والإرادة الانتخابية.

ولعل ما غذّى هذا النقاش أكثر هو حالة الارتباك التي عاشها المشهد الحزبي خلال السنوات الأخيرة. فقد بدت بعض الأحزاب، سواء داخل الأغلبية أو خارجها، عاجزة عن إنتاج خطاب سياسي قادر على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المغرب. وبدل أن تنشغل ببناء رؤى متكاملة حول التعليم، والصحة، والتشغيل، والتحول الرقمي، والعدالة المجالية، انزلقت في كثير من الأحيان إلى صراعات تنظيمية أو حسابات انتخابية ضيقة، وهو ما انعكس على مستوى الثقة الشعبية في العمل الحزبي برمته.

وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ فكلما ضعفت الأحزاب في أداء وظائفها التأطيرية والاقتراحية، ازدادت الحاجة إلى الإدارة لضمان استمرارية المرفق العام وتسريع تنفيذ المشاريع. غير أن هذا الحل، وإن كان يحقق قدرًا من النجاعة الإدارية، قد يحمل في المقابل تحديًا سياسيًا يتمثل في اتساع الفجوة بين المواطن والعمل الحزبي. فإذا شعر الناخب بأن السياسات الكبرى ستستمر بالطريقة نفسها مهما كانت نتائج الانتخابات، فقد يتراجع الحافز للمشاركة السياسية، وهو ما قد ينعكس على نسب التصويت ومستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة.

إن جوهر النقاش، إذن، لا يتعلق بوجود صراع بين الدولة والأحزاب، بقدر ما يتعلق بقدرة النظام السياسي على إعادة توزيع الأدوار بصورة تجعل الإدارة أداة لتنفيذ السياسات، والأحزاب فضاءً لإنتاج البدائل والتنافس حول الأولويات، لا مجرد هياكل انتخابية تظهر مع اقتراب الاستحقاقات ثم تغيب بعدها.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن المغرب يواجه تحديات كبرى تتطلب استقرارًا في القرار العمومي، بدءًا من تدبير الإجهاد المائي، مرورًا بالأمن الغذائي، وصولًا إلى التحضير لاحتضان تظاهرات رياضية دولية كبرى، وتنزيل مشاريع الحماية الاجتماعية، وجذب الاستثمارات الصناعية. وهي ملفات يصعب أن تخضع كل خمس سنوات لتغييرات جذرية في الرؤية، ما يفسر إصرار الدولة على بناء استراتيجيات بعيدة المدى. غير أن نجاح هذا النموذج يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الأحزاب على التحول من مجرد أدوات انتخابية إلى مؤسسات حقيقية لإنتاج الأفكار ومراقبة التنفيذ واقتراح البدائل.

يتبع في الجزء الثاني… حيث سننتقل إلى تحليل العلاقة بين تراجع الثقة في الأحزاب، وحدود المقارنة مع النموذج الصيني، وانعكاسات ذلك على المشاركة السياسية، والحكامة، ومستقبل انتخابات 2026 بمنهج “صحافة النظر” وتحليل أكثر عمقًا.

هل تغيّر معنى الانتخابات في المغرب؟… عندما يصبح السؤال أكبر من نتائج صناديق الاقتراع

إذا كان الجزء الأول قد توقف عند التحولات التي عرفتها العلاقة بين الدولة والأحزاب في ظل تنامي حضور المشاريع الاستراتيجية بعيدة المدى، فإن السؤال الأكثر حساسية يبقى: هل يعكس ذلك انتقالًا نحو نموذج سياسي جديد، أم أنه مجرد تطور طبيعي في طريقة تدبير الدولة لمشاريعها الكبرى؟

هنا بالضبط يصبح من الضروري الفصل بين الخطاب السياسي والانطباعات المتداولة على شبكات التواصل، وبين القراءة المؤسساتية التي تستند إلى الوقائع والدستور. فالفيديو الذي انطلقت منه هذه القراءة يطرح فرضية مفادها أن وزارة الداخلية أصبحت تمثل “الحزب الأغلبي الدائم”، وأن الانتخابات لم تعد سوى واجهة شكلية لإدارة المشهد السياسي. غير أن مثل هذا الطرح، رغم ما يحمله من عناصر تستحق النقاش، يبقى في النهاية تفسيرًا سياسيًا لا يمكن التعامل معه بوصفه حقيقة ثابتة، لأن طبيعة النظام السياسي المغربي أكثر تعقيدًا من اختزالها في صورة واحدة أو مؤسسة واحدة.

فالانتخابات المغربية، منذ بداية التعددية الحزبية، لم تكن مجرد عملية تقنية لاختيار ممثلين، بل شكلت دائمًا وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل المجتمع، وإنتاج نخب جديدة، وإتاحة مساحة للتداول السياسي، حتى وإن كانت حدود تأثير الأحزاب في القرار الاستراتيجي محل نقاش دائم. وقد عرف المغرب مراحل متعددة؛ من مرحلة الأحزاب الوطنية التاريخية، إلى مرحلة التناوب التوافقي، ثم مرحلة ما بعد دستور 2011، حيث أصبحت الحكومة تمتلك صلاحيات أوسع، قبل أن تظهر خلال السنوات الأخيرة مؤشرات تدفع كثيرين إلى التساؤل حول طبيعة هذا التطور.

لكن هذا التساؤل لا ينبغي أن يتحول إلى قفزة نحو استنتاجات قطعية. فوجود مشاريع استراتيجية يشرف عليها أعلى هرم الدولة لا يعني بالضرورة إفراغ المؤسسات المنتخبة من مضمونها، كما أن اتساع دور الإدارة الترابية في تنفيذ السياسات العمومية لا يعني تحولها إلى بديل عن الفاعل الحزبي. إن الفرق بين رسم التوجهات الكبرى للدولة والتنافس السياسي حول كيفية تنزيلها هو ما يصنع التوازن في كثير من الأنظمة السياسية، وليس في المغرب وحده.

ومع ذلك، فإن الواقع يكشف عن معضلة أخرى أكثر إلحاحًا، وهي أن الأحزاب نفسها ساهمت، بدرجات متفاوتة، في إضعاف موقعها داخل المشهد العام. فقد تحولت لدى جزء من الرأي العام من فضاءات لإنتاج الأفكار إلى آلات انتخابية موسمية، ينشط بعضها قبيل الاستحقاقات ثم يخفت حضوره بعد إعلان النتائج. كما أن الصراعات الداخلية، وتراجع التأطير الفكري، وضعف التواصل مع المواطنين، كلها عوامل جعلت قطاعات واسعة من الشباب تنظر إلى العمل الحزبي بكثير من البرود، وربما من عدم الثقة.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي ديمقراطية ليس قوة الإدارة، وإنما ضعف السياسة. فالإدارة بطبيعتها تبحث عن الاستمرارية والاستقرار، بينما وظيفة السياسة هي إنتاج البدائل، وفتح النقاش العمومي، ومساءلة الاختيارات، واقتراح مسارات جديدة. وإذا غابت السياسة، فإن الإدارة تجد نفسها مضطرة إلى ملء الفراغ، ليس لأنها تسعى إلى الحلول محل الأحزاب، بل لأن الدولة لا تستطيع أن تتوقف عن العمل في انتظار أن تستعيد الأحزاب عافيتها.

ومن هنا يمكن فهم تنامي دور المؤسسات الإدارية في السنوات الأخيرة بوصفه استجابة لحاجة الدولة إلى ضمان تنفيذ أوراش كبرى ذات طابع استراتيجي، تمتد آثارها لعقود، مثل مشاريع الماء، والأمن الغذائي، والحماية الاجتماعية، والاستثمارات الصناعية، وتأهيل البنيات التحتية استعدادًا للاستحقاقات الدولية المقبلة. فهذه المشاريع لا تحتمل منطق التوقف مع كل تغيير حكومي، ولا يمكن أن تُعاد صياغتها بالكامل مع كل أغلبية جديدة.

غير أن هذا المنطق، رغم وجاهته الإدارية، يطرح في المقابل تحديًا سياسيًا بالغ الأهمية. فإذا شعر المواطن بأن الخيارات الكبرى لا تتغير مهما تغيرت نتائج الانتخابات، فإن السؤال لن يكون عن الحزب الفائز، بل عن جدوى المشاركة السياسية نفسها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن تراجع الثقة في الانتخابات لا يبدأ يوم الاقتراع، بل يبدأ عندما يفقد المواطن إحساسه بأن صوته يمكن أن يحدث فرقًا في السياسات العمومية.

ولهذا السبب، فإن مستقبل الحياة الحزبية في المغرب لا يرتبط فقط بإصلاح القوانين الانتخابية أو تغيير أنماط الاقتراع، وإنما يرتبط أساسًا بإعادة الاعتبار للفكر السياسي داخل الأحزاب. فالمواطن اليوم لا يبحث عن الشعارات بقدر ما يبحث عن حلول ملموسة لمشكلات التشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، وغلاء المعيشة، والأمن الاقتصادي. وإذا عجزت الأحزاب عن تقديم هذه البدائل، فإنها تترك فراغًا تملؤه بطبيعة الحال مؤسسات الدولة والإدارة العمومية.

ومن النقاط التي أثارتها المادة الأصلية أيضًا المقارنة بالنموذج الصيني، حيث اعتبر صاحب الفيديو أن المغرب قد يتجه نحو ما يشبه “الحزب الواحد”. إلا أن هذه المقارنة تستدعي كثيرًا من الحذر. فالصين تقوم على نظام سياسي ذي بنية دستورية وحزبية مختلفة جذريًا، يقوم على قيادة حزب واحد للدولة والمجتمع، بينما يقوم النظام الدستوري المغربي على التعددية الحزبية والانتخابات الدورية والمؤسسات المنتخبة. لذلك فإن أي تشابه في أساليب التخطيط طويل الأمد أو في الحرص على استمرارية المشاريع لا يعني بالضرورة تشابهًا في طبيعة النظام السياسي أو فلسفته الدستورية.

إن ما يمكن الاستفادة منه من بعض التجارب الدولية ليس نموذج الحزب الواحد، وإنما قدرة الدول على الجمع بين استقرار الرؤية الاستراتيجية، وفعالية التنفيذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومكافحة الفساد، ورفع كفاءة الإدارة. وهذه عناصر يمكن أن تتعايش مع التعددية السياسية إذا توفرت الإرادة والإصلاحات المؤسساتية المناسبة.

وفي قلب هذا النقاش كله، تبقى وزارة الداخلية مؤسسة دستورية وإدارية ذات اختصاصات واسعة، تضطلع بأدوار أساسية في الأمن والإدارة الترابية والإشراف على تنظيم الانتخابات، كما تساهم في تنزيل عدد من البرامج العمومية عبر شبكة الولاة والعمال. لكن تقييم حجم تأثيرها السياسي يظل موضوعًا للنقاش الأكاديمي والسياسي، ولا يمكن حسمه عبر الانطباعات أو الخطابات المتداولة، بل يحتاج إلى دراسات مؤسساتية معمقة، وإلى قراءة متوازنة لطبيعة توزيع الاختصاصات بين مختلف مؤسسات الدولة.

وفي المقابل، فإن الأحزاب مطالبة أيضًا بمراجعة ذاتها قبل البحث عن تفسير كل أزماتها في أدوار المؤسسات الأخرى. فالمواطن الذي يعاني من البطالة أو ضعف الخدمات أو تراجع القدرة الشرائية لن يقتنع بخطاب المظلومية إذا لم ير برامج واقعية، ونخبًا مؤهلة، وآليات واضحة للمحاسبة والشفافية.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من سيفوز بانتخابات 2026؟ ولا حتى: من سيقود الحكومة المقبلة؟ بل سؤال أعمق بكثير: هل تستطيع الأحزاب المغربية أن تستعيد دورها التاريخي كوسيط بين الدولة والمجتمع، أم أن الفراغ الذي تركته سيجعل الإدارة تضطلع بأدوار أكبر بحكم الضرورة؟

إن مستقبل الديمقراطية لا يُقاس فقط بعدد الأحزاب أو نسبة المشاركة أو أسماء الفائزين، بل يُقاس بقدرة المجتمع على إنتاج سياسة حقيقية، وبقدرة المؤسسات على تحقيق توازن دائم بين الاستقرار والمساءلة، وبين استمرارية الدولة وحيوية التنافس السياسي. وعندما يصبح هذا التوازن صعبًا، لا يعود النقاش حول الانتخابات نقاشًا حول صناديق الاقتراع فحسب، بل يتحول إلى نقاش حول طبيعة العقد السياسي نفسه، وحول الكيفية التي يمكن بها للدولة والأحزاب والمجتمع أن يعيدوا بناء الثقة في العمل العام، بحيث يبقى المواطن مؤمنًا بأن صوته لا يغير فقط أسماء المسؤولين، بل يساهم أيضًا في رسم ملامح المستقبل.