هل تغيّر معنى الانتخابات في المغرب؟… قراءة في التحولات الصامتة بين الدولة والأحزاب ورهانات 2026
ليست الانتخابات، في أي دولة، مجرد موعد دستوري يتكرر كل بضع سنوات، ولا مجرد منافسة بين أحزاب تتبارى حول البرامج والشعارات. فالانتخابات، في جوهرها، لحظة تُختبر فيها طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المؤسسات المنتخبة ومراكز صناعة القرار، وبين الإرادة الشعبية والقدرة الفعلية على تنفيذ السياسات العمومية. وكلما اقترب المغرب من استحقاقات سنة 2026، عاد النقاش من جديد حول سؤال يبدو أكثر عمقًا من مجرد معرفة الحزب الذي سيتصدر النتائج: هل ما تزال الأحزاب هي الفاعل الرئيسي في رسم السياسات العمومية، أم أن الدولة تتجه أكثر فأكثر إلى جعل المشاريع الاستراتيجية تُدار بمنطق الاستمرارية المؤسساتية، بعيدًا عن تقلبات الأغلبية والمعارضة؟
هذا السؤال لا ينبع فقط من الجدل الذي أثاره أحد الفيديوهات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، والذي ذهب صاحبه إلى الحديث عن “حزب أغلبي دائم” يتمثل في وزارة الداخلية، بل يجد جذوره أيضًا في التحولات التي عرفها تدبير الدولة المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت المشاريع الكبرى تُبنى وفق رؤية تمتد لسنوات طويلة، وتتجاوز عمر الحكومات المتعاقبة. وبين من يرى في ذلك تعبيرًا عن نضج الدولة واستقرارها المؤسساتي، ومن يعتبره مؤشرًا على تقلص المجال الذي تتحرك داخله الأحزاب المنتخبة، تتشكل مساحة واسعة تستحق التحليل بعيدًا عن الانفعال والأحكام الجاهزة.
لقد اعتاد المغاربة، منذ اعتماد دستور 2011، على الحديث عن تعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن الممارسة السياسية أظهرت في المقابل أن الملفات الاستراتيجية الكبرى، سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية، أو الأمن المائي، أو الأمن الغذائي، أو الأوراش الاجتماعية الكبرى، أصبحت تُدار بمنطق الدولة المستمرة، وليس بمنطق الأغلبية الحكومية العابرة. وهذا ليس استثناءً مغربيًا؛ فكثير من الدول تعتمد استراتيجيات طويلة الأمد تتجاوز الدورات الانتخابية، لضمان استمرارية المشاريع الكبرى وعدم رهنها بتغير الحكومات. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن تحقيق هذا التوازن دون أن يفقد الفعل الحزبي معناه أو يشعر المواطن بأن صوته الانتخابي لم يعد قادرًا على التأثير في اتجاه السياسات العامة؟
في هذا السياق، جاءت قرارات المجلس الوزاري الأخير، وما حملته من توجيهات ملكية تتعلق بتسريع عدد من البرامج الاستراتيجية، لتعيد النقاش حول طبيعة توزيع الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة. فمن الناحية الدستورية، يظل الملك رئيس الدولة والضامن لاستمرارها، كما يشرف على التوجهات الاستراتيجية الكبرى، بينما تتولى الحكومة تنفيذ السياسات العمومية في إطار اختصاصاتها. لكن في الممارسة، تبدو الحدود بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ اليومي أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشاريع ضخمة تمتد على سنوات وتتطلب تنسيقًا إداريًا عالي المستوى.
ومن هنا برزت وزارة الداخلية باعتبارها إحدى أكثر المؤسسات حضورًا في تنزيل عدد من البرامج الترابية، بحكم اختصاصها في تنسيق عمل الولاة والعمال والجماعات الترابية، وليس لأنها تقوم مقام الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة. فالوزارة، وفق القانون، تضطلع بأدوار إدارية وتنظيمية وأمنية وترابية واسعة، تجعلها فاعلًا محوريًا في تنفيذ عدد من السياسات، خاصة تلك التي تتطلب تنسيقًا بين الإدارات المختلفة. غير أن هذا الحضور القوي يثير، بين الفينة والأخرى، نقاشًا مشروعًا حول كيفية الحفاظ على التوازن بين الإدارة والسياسة، وبين السلطة التنفيذية والإرادة الانتخابية.
ولعل ما غذّى هذا النقاش أكثر هو حالة الارتباك التي عاشها المشهد الحزبي خلال السنوات الأخيرة. فقد بدت بعض الأحزاب، سواء داخل الأغلبية أو خارجها، عاجزة عن إنتاج خطاب سياسي قادر على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المغرب. وبدل أن تنشغل ببناء رؤى متكاملة حول التعليم، والصحة، والتشغيل، والتحول الرقمي، والعدالة المجالية، انزلقت في كثير من الأحيان إلى صراعات تنظيمية أو حسابات انتخابية ضيقة، وهو ما انعكس على مستوى الثقة الشعبية في العمل الحزبي برمته.
وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ فكلما ضعفت الأحزاب في أداء وظائفها التأطيرية والاقتراحية، ازدادت الحاجة إلى الإدارة لضمان استمرارية المرفق العام وتسريع تنفيذ المشاريع. غير أن هذا الحل، وإن كان يحقق قدرًا من النجاعة الإدارية، قد يحمل في المقابل تحديًا سياسيًا يتمثل في اتساع الفجوة بين المواطن والعمل الحزبي. فإذا شعر الناخب بأن السياسات الكبرى ستستمر بالطريقة نفسها مهما كانت نتائج الانتخابات، فقد يتراجع الحافز للمشاركة السياسية، وهو ما قد ينعكس على نسب التصويت ومستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة.
إن جوهر النقاش، إذن، لا يتعلق بوجود صراع بين الدولة والأحزاب، بقدر ما يتعلق بقدرة النظام السياسي على إعادة توزيع الأدوار بصورة تجعل الإدارة أداة لتنفيذ السياسات، والأحزاب فضاءً لإنتاج البدائل والتنافس حول الأولويات، لا مجرد هياكل انتخابية تظهر مع اقتراب الاستحقاقات ثم تغيب بعدها.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن المغرب يواجه تحديات كبرى تتطلب استقرارًا في القرار العمومي، بدءًا من تدبير الإجهاد المائي، مرورًا بالأمن الغذائي، وصولًا إلى التحضير لاحتضان تظاهرات رياضية دولية كبرى، وتنزيل مشاريع الحماية الاجتماعية، وجذب الاستثمارات الصناعية. وهي ملفات يصعب أن تخضع كل خمس سنوات لتغييرات جذرية في الرؤية، ما يفسر إصرار الدولة على بناء استراتيجيات بعيدة المدى. غير أن نجاح هذا النموذج يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الأحزاب على التحول من مجرد أدوات انتخابية إلى مؤسسات حقيقية لإنتاج الأفكار ومراقبة التنفيذ واقتراح البدائل.
يتبع في الجزء الثاني… حيث سننتقل إلى تحليل العلاقة بين تراجع الثقة في الأحزاب، وحدود المقارنة مع النموذج الصيني، وانعكاسات ذلك على المشاركة السياسية، والحكامة، ومستقبل انتخابات 2026 بمنهج “صحافة النظر” وتحليل أكثر عمقًا.
هل تغيّر معنى الانتخابات في المغرب؟… عندما يصبح السؤال أكبر من نتائج صناديق الاقتراع


