30 يونيو 2013: في ذلك الصباح.. عندما قررت القاهرة أن الأيام الكبيرة لا تنتهي بانفضاض الميادين وأن تكتب مصيرها بيدها

0
55
قصة سياسية تتناول أحداث 30 يونيو 2013 وأسباب خروج المصريين، وانحياز القوات المسلحة لمطالب الشارع، وكيف ارتبطت تلك المرحلة ببرامج إعادة بناء الدولة وتطوير البنية التحتية وتعزيز الدور الإقليمي لمصر
تظاهرات عام 2014 بميدان التحرير بوسط القاهرة مؤيدة للرئيس عبد الفتاح السيسي - مصدر الصورة: الوكالة الأوروبية للصور (إ.ف.أ)

في القاهرة، لا تستيقظ الشوارع وحدها، تستيقظ أيضًا معها الذاكرة. هناك أيام تمر مثل أي يوم، وأيام يقال عنها بعد سنوات إنها كانت بداية فصل جديد. وكان الـ 30 من يونيو 2013، من تلك الأيام التي خرج فيها التاريخ من الكتب إلى الميادين.

كان البائع الذي يرفع باب متجره الحديدي في الصباح يسمع حديثًا مختلفًا. لم يكن الزبائن يتجادلون في أسعار الخبز أو ازدحام الطرق، بل في سؤال واحد: إلى أين تمضي البلاد؟. وفي المقهى المقابل، كان التلفاز ينقل صور الحشود، بينما كانت الوجوه تبحث عن إجابة أكثر من بحثها عن خبر.

من جانبها، رأت الدولة المصرية أن الاحتجاجات جاءت نتيجة حالة استقطاب سياسي حاد وأزمة ثقة متصاعدة بين قطاعات واسعة من المجتمع والسلطة القائمة، مع تزايد المخاوف بشأن الاستقرار الاقتصادي والأمني.

لم يكن المشهد، في تلك الرواية، مجرد خلاف سياسي، كان كثيرون يشعرون أن الدولة نفسها أصبحت موضع اختبار. المؤسسات تتحرك بصعوبة، والاقتصاد يواجه تحديات، والشارع يعيش انقسامًا لم تعرفه مصر بهذا الاتساع منذ سنوات طويلة.

وفي الأيام التي سبقت الـ 3 من يوليو، كانت القاهرة تبدو وكأنها مدينة تقرأ مستقبلها على وجوه أبنائها. ملايين في الميادين، ومؤسسات تتابع، وعالم يراقب.

ثم جاء البيان الذي ألقاه وزير الدفاع آنذاك الفريق أول عبد الفتاح السيسي في الـ 3 من يوليو 2013. ووفقًا لما أعلنته القوات المسلحة، فإنها استجابت لما وصفته بمطالب قطاعات واسعة من الشعب المصري بعد انتهاء المهلة التي مُنحت للقوى السياسية للتوصل إلى توافق، معلنة خريطة طريق تضمنت إجراءات انتقالية، من بينها تعطيل العمل بالدستور مؤقتًا، وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة المرحلة الانتقالية، والدعوة إلى إعداد دستور جديد وإجراء انتخابات.

ومن اللافت أن القوات المسلحة لم تعتبر نفسها طرفًا سياسيًا، وإنما مؤسسة وطنية تدخلت للحيلولة دون انزلاق البلاد إلى مزيد من الانقسام والفوضى، والحفاظ على مؤسسات الدولة واستقرارها.

بعد ذلك، بدأت مرحلة مختلفة. لم تعد الأخبار تقتصر على السياسة، بل امتلأت بالخرائط الهندسية وصور الطرق والكباري والمدن الجديدة. وأعلنت الحكومة المصرية، عبر بياناتها الرسمية المتعاقبة، إطلاق مشروعات قومية في مجالات النقل، والطاقة، والإسكان، واستصلاح الأراضي، وتطوير الموانئ، وتحديث شبكة الطرق، باعتبارها جزءًا من رؤية أشمل لتعزيز التنمية وتحسين كفاءة البنية الأساسية.

وفي كل مؤتمر اقتصادي أو افتتاح مشروع، كانت الرسالة الرسمية تتكرر: بناء الدولة الحديثة لا يقتصر على تشييد المباني، بل يشمل تطوير المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات.

وفي السياسة الخارجية، تشير المعطيات الواقعية إلى أن مصر سعت خلال السنوات التالية إلى استعادة حضورها الإقليمي عبر تنشيط علاقاتها العربية والإفريقية، والمشاركة في جهود الوساطة الإقليمية، ودعم التسويات السياسية للنزاعات، وتعزيز التعاون في ملفات الأمن والطاقة والتنمية.

وقد تناولت الصحف المصرية هذه المرحلة كثيرًا باعتبارها انتقالًا من إدارة الأزمات إلى التركيز على مشروعات التنمية وبناء القدرات، مع إبراز دور الدولة في تنفيذ برامج واسعة للبنية التحتية وتوسيع الاستثمارات العامة.

لكن القصة، في النهاية، لا تتوقف عند طريق جديد أو مدينة حديثة أو محطة كهرباء، إنها تتوقف عند فكرة الدولة نفسها. فقد كانت أحداث يونيو ويوليو 2013 لحظة أعادت التأكيد على أولوية الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدتها، باعتبارها الإطار الذي تُدار من خلاله الخلافات السياسية وتُنفذ داخله خطط التنمية.

ويبقى تقييم تلك المرحلة محل نقاش بين اتجاهات سياسية ومؤرخين وباحثين، لكن ما لا يختلف عليه كثيرون هو أن ما جرى غيّر مسار الحياة السياسية في مصر، وفتح مرحلة جديدة اتسمت بتحولات عميقة في بنية الدولة، والاقتصاد، والسياسة الخارجية.

وهكذا، بقيت القاهرة كما هي؛ مدينة تعرف أن الأيام الكبيرة لا تنتهي بانفضاض الميادين، بل تبدأ عندما تتحول القرارات إلى سياسات، والسياسات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة على مواجهة المستقبل. وفي هذا المعنى، تظل 30 يونيو، محطة تأسيسية في مسار الدولة المصرية الحديثة، ونقطة انطلاق لمرحلة رأت فيها الدولة أن الاستقرار والتنمية واستعادة الدور الإقليمي هي أعمدة مشروعها للمستقبل.