“أسود الأطلس” يعيدون فتح جرح الهوية في سبتة ومليلية… حزب إسباني يواجه اليمين المتطرف: الوطنية لا تُقاس بعداء المغرب

0
55

حين هزّ “أسود الأطلس” سبتة ومليلية… المونديال يعري أزمة الهوية في الثغرين وحزب إسباني يواجه اليمين: الوطنية ليست عداءً للمغرب

منذ أن تحول المنتخب المغربي إلى أحد أبرز العناوين الكروية العالمية، لم تعد مباريات “أسود الأطلس” مجرد منافسات رياضية، بل أصبحت حدثاً سياسياً واجتماعياً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ويكشف في كل مرة طبقات عميقة من الأسئلة المؤجلة داخل فضاءات تعيش على إيقاع الهويات المركبة. وما يحدث في مدينتي سبتة ومليلية ليس استثناءً، بل ربما يمثل النموذج الأكثر تعقيداً لهذه العلاقة المتشابكة بين الرياضة والسيادة والذاكرة والانتماء.

ففي كل بطولة كبرى يخوضها المنتخب المغربي، تعود المدينتان المحتلتان إلى واجهة النقاش الإسباني، ليس بسبب نتائج المباريات فقط، وإنما بسبب الصور التي ترافقها؛ أعلام مغربية ترفرف، وشوارع تمتلئ بالمحتفلين، وأحياء بأكملها تخرج لتعيش انتصارات المنتخب كما لو أنها انتصاراتها الخاصة. عند هذه النقطة، يتوقف الحدث الرياضي، ويبدأ الحدث السياسي.

فما يبدو في ظاهره تشجيعاً طبيعياً لفريق وطني، يتحول داخل الخطاب الإسباني، خاصة لدى اليمين المتطرف، إلى اختبار للولاء السياسي، وكأن رفع العلم المغربي أو ارتداء قميص “أسود الأطلس” أصبح معياراً للحكم على درجة “إسبانية” المواطن، وليس مجرد تعبير عن انتماء ثقافي أو وجداني.

وهنا تكمن المفارقة التي يفضحها هذا الجدل. فإسبانيا، التي تقدم نفسها باعتبارها دولة ديمقراطية متعددة الثقافات، تجد نفسها، مع كل انتصار مغربي، أمام سؤال لم تستطع الإجابة عنه منذ عقود: هل يمكن لمواطن يحمل الجنسية الإسبانية أن يحتفظ في الوقت نفسه بروابطه الثقافية والعائلية مع المغرب دون أن يصبح موضع شبهة؟

إن ردود فعل اليمين المتطرف، وعلى رأسها الأصوات القريبة من حزب “فوكس”، لا تستهدف في الحقيقة كرة القدم، وإنما تستهدف ما تمثله الكرة المغربية من حضور رمزي داخل المدينتين. فالمشكل بالنسبة لهذا التيار ليس أن سكان مليلية أو سبتة يشجعون منتخباً أجنبياً، وإنما أن هذا المنتخب هو المغرب تحديداً، الدولة التي ترتبط بالمدينتين بملفات تاريخية وسيادية معقدة، وبامتداد اجتماعي وديموغرافي لا يمكن تجاوزه.

ومن هنا يتحول التشجيع الرياضي، في الخطاب المتشدد، إلى “دليل اتهام”، وتصبح الأعلام الرياضية مادة لإعادة إنتاج خطاب الشك في الانتماء، رغم أن الملايين من الإسبان يشجعون منتخبات أخرى كالأرجنتين أو إيطاليا أو البرازيل دون أن يثير ذلك أي نقاش حول وطنيتهم.

غير أن اللافت في هذا السجال أن الرد هذه المرة لم يأت من المغرب، بل خرج من داخل الساحة السياسية الإسبانية نفسها، عندما اختار إسحاق فرنانديز أتينثيا، المتحدث باسم حزب “نويفا مليلية”، أن يواجه هذا الخطاب بمنطق مختلف، يكسر الثنائية التقليدية التي يحاول اليمين فرضها بين “إسبانيا” و”المغرب”.

فالرجل لم يدافع فقط عن حق سكان مليلية في تشجيع المنتخب المغربي، بل أعاد تعريف مفهوم الوطنية ذاته، حين أكد أن الانتماء لإسبانيا لا يمر عبر معاداة المغرب، وأن الدفاع عن الهوية الإسبانية لا يقتضي قطع الجسور مع العمق المغربي الذي تعيشه المدينة اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً.

هذه الرسالة، في ظاهرها، تبدو مجرد موقف سياسي عابر، لكنها في عمقها تمثل مراجعة لخطاب ظل مهيمناً داخل جزء من الحياة السياسية الإسبانية، يقوم على ربط الوطنية بالمواجهة الدائمة مع المغرب، وكأن العلاقة الطبيعية مع الجار الجنوبي تشكل تهديداً للهوية الإسبانية.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تصريحات المسؤول المحلي أنه لم يحاول إنكار جذوره أو إخفاء تعاطفه مع المنتخب المغربي، بل أعلن بوضوح أنه إسباني ومن أبناء مليلية، وفي الوقت نفسه يساند “أسود الأطلس”، معتبراً أن الأمرين لا يتناقضان. وهي رسالة تتجاوز كرة القدم، لأنها تعترف لأول مرة، بهذا الوضوح، بأن الهوية داخل مليلية ليست هوية أحادية، وإنما هوية مركبة، تجمع بين المواطنة القانونية والانتماء الثقافي والذاكرة العائلية.

ومن زاوية أعمق، فإن هذا الجدل يكشف فشل الخطابات الإقصائية في استيعاب التحولات الاجتماعية داخل الثغرين المحتلين. فالمغرب لم يعد حاضراً فقط عبر الجغرافيا، وإنما عبر النسيج السكاني واللغة والعلاقات الأسرية والدين والعادات اليومية، وهي عناصر تجعل من المستحيل اختزال السكان في تعريف سياسي جامد للهوية.

ولذلك، فإن كل محاولة لتحويل تشجيع المنتخب المغربي إلى قضية أمنية أو سياسية، لا تؤدي إلا إلى إبراز حجم الحضور المغربي داخل المجال الاجتماعي للمدينتين، وإلى الاعتراف، بطريقة غير مباشرة، بأن الروابط الإنسانية أقوى من الحدود الإدارية والخطابات الأيديولوجية.

كما أن استمرار اعتماد عدد كبير من المسلمين في سبتة ومليلية على المرجعية الدينية المغربية في تحديد المناسبات والشعائر الإسلامية، إلى جانب استمرار العلاقات العائلية والاقتصادية والثقافية مع المدن المغربية المجاورة، يؤكد أن الارتباط بالمغرب ليس حالة عابرة فرضتها كرة القدم، بل امتداد تاريخي واجتماعي يصعب فصله عن الواقع اليومي لسكان المدينتين.

وهنا تتجلى القوة الناعمة للمغرب في أبهى صورها. فبينما تنفق الدول مليارات اليوروهات لبناء صورة إيجابية في الخارج، نجح المنتخب المغربي، من خلال إنجازاته الرياضية، في تحقيق ما تعجز عنه أحياناً الدبلوماسية التقليدية؛ إذ أعاد رسم صورة المغرب داخل الوعي الأوروبي، وحول الراية المغربية إلى رمز للفخر والانتماء بالنسبة لملايين المغاربة وأبناء الجالية، بل وحتى لعدد من المواطنين الأوروبيين ذوي الأصول المغربية.

وفي هذا السياق، لا يبدو النقاش الدائر في سبتة ومليلية مجرد خلاف حول مباراة في كأس العالم، بل هو مؤشر على تحول أعمق تعيشه إسبانيا نفسها، بين خطاب قديم يرى الهوية في الانغلاق والخوف من الجار، وخطاب جديد يعترف بأن المجتمعات الحديثة تُبنى على التعدد والانفتاح، لا على صناعة الأعداء.

وفي النهاية، يبدو أن “أسود الأطلس” لم يهزموا منافسيهم داخل الملاعب فقط، بل نجحوا أيضاً في هزّ واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل الثغرين المحتلين، بعدما فرضوا على جزء من الطبقة السياسية الإسبانية إعادة طرح سؤال الهوية والانتماء بعيداً عن منطق التخوين والإقصاء.

فقد أثبتت كرة القدم، مرة أخرى، أنها ليست مجرد لعبة، بل مرآة تعكس موازين القوى الناعمة، وتكشف ما تخفيه السياسة أحياناً. وإذا كان اليمين المتطرف يرى في تشجيع المغرب تهديداً للهوية الإسبانية، فإن أصواتاً إسبانية آخذة في الاتساع باتت تؤمن بأن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعداء المغرب، بل بقدرة الدولة على استيعاب تعدد هويات مواطنيها دون خوف أو إقصاء.