وفد مغربي من 250 شخصاً في مونديال الأندية بأمريكا يشعل الجدل حول الإنفاق والحكامة

0
91

بين أمجاد الملاعب وأسئلة الحكامة… هل أصبحت كرة القدم المغربية بمنأى عن الرقابة؟

في كل مرة يحقق فيها المنتخب الوطني المغربي إنجازاً جديداً، تتحول الشوارع والساحات العامة إلى فضاءات للاحتفال الجماعي، ويستعيد المغاربة شعورهم بالفخر والانتماء، بعدما أصبحت كرة القدم إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للمملكة على المستوى الدولي. غير أن الوجه الآخر لهذه النجاحات يطرح، في المقابل، أسئلة لا تقل أهمية عن الانتصارات نفسها؛ أسئلة تتعلق بكيفية تدبير المال، وحدود الحكامة، والفاصل بين الاستثمار المشروع في الرياضة وبين الإنفاق الذي قد يتحول إلى موضوع للنقاش العمومي.

وفي هذا السياق، أثارت المعطيات التي نشرتها جريدة “المحرر” بشأن حجم الوفد المغربي المرافق للمنتخب في الولايات المتحدة، وما قيل عن طبيعة النفقات المرتبطة به، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الرياضية والإعلامية، ليس فقط بسبب الأرقام المتداولة، وإنما لأنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل تظاهرة رياضية كبرى: من يراقب الإنفاق داخل المؤسسات الرياضية عندما يتعلق الأمر بأموال ذات طبيعة عمومية أو أموال تستفيد من دعم الدولة؟

وتتحدث الجريدة، استناداً إلى مصادر وصفتها بالموثوقة، عن وفد يتجاوز 250 شخصاً، يضم مسؤولين وأطراً وموظفين وشخصيات مرتبطة بالمنظومة الكروية، مع الإشارة إلى أن اللائحة قد تشمل أيضاً أشخاصاً لا ترتبط مهامهم مباشرة بالمشاركة الرياضية. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن القضية لا تتعلق بعدد الأفراد في حد ذاته، بل بالمعايير التي اعتمدت لاختيارهم، ومدى ارتباط حضورهم بحاجيات تنظيمية أو تقنية حقيقية، أو بامتيازات لا يجد الرأي العام تفسيراً واضحاً لها.

القضية، في عمقها، ليست قضية سفر إلى الولايات المتحدة، ولا تتعلق بمشاهدة مباريات كأس العالم للأندية أو مواكبة المنتخب الوطني، وإنما ترتبط بمبدأ الحكامة الذي أصبح أحد المرتكزات الدستورية في تدبير المؤسسات العمومية وشبه العمومية. فكلما ارتفعت قيمة الإنفاق، ارتفع معها حق المواطنين في معرفة مبرراته، ومصادر تمويله، والجهة التي صادقت عليه، وآليات مراقبته.

وتزداد حساسية النقاش عندما تتحدث المعطيات المنشورة عن مصاريف إقامة في فنادق فاخرة، وتعويضات يومية، ووسائل نقل خاصة، فضلاً عن الحديث عن رحلات جوية متكررة لرئيس الجامعة بين المغرب والولايات المتحدة. فحتى وإن كانت بعض هذه النفقات تدخل ضمن اختصاصات المسؤولين أو متطلبات العمل، فإن غياب التواصل الرسمي المفصل يفتح الباب أمام التأويلات، ويمنح الإشاعات مساحة أكبر من الحقائق.

إن أكبر خطر لا يكمن فقط في احتمال وجود إنفاق مرتفع، وإنما في غياب الشفافية الكافية التي تسمح للرأي العام بفهم منطق هذا الإنفاق. فالمؤسسات الحديثة لا تكتفي بالتصرف وفق القانون، بل تبادر أيضاً إلى شرح قراراتها وتقديم البيانات المالية التي تعزز الثقة وتقطع الطريق أمام كل تشكيك.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للنقاش هي أن المغرب يقدم نفسه اليوم كنموذج إفريقي وعربي في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، ويستعد لاستحقاقات عالمية تتطلب أعلى معايير الحكامة والشفافية. ومن ثم، فإن نجاح المشاريع الرياضية لا يقاس فقط بعدد الألقاب أو جودة البنيات التحتية، وإنما أيضاً بمدى قدرة المؤسسات الرياضية على إقناع المواطنين بأن كل درهم يُصرف يخضع لمنطق المصلحة العامة، وليس لمنطق الامتياز.

ومن زاوية أخرى، فإن أي حديث عن تخصيص امتيازات أو تسهيلات لأشخاص لا تربطهم مهام مباشرة بالبعثة الرسمية، إذا ثبتت صحته، يثير إشكالاً أخلاقياً قبل أن يكون مالياً. فالرياضة التي يفترض أن تقوم على الاستحقاق وتكافؤ الفرص، لا يمكن أن تتحول إلى فضاء لتوزيع الامتيازات أو تكريس النفوذ، لأن ذلك يقوض الثقة في المؤسسات ويضعف صورة المنظومة الرياضية أمام الرأي العام.

إن التجارب الدولية تؤكد أن أقوى الاتحادات الرياضية ليست تلك التي تنفق أكثر، وإنما تلك التي تنشر تقاريرها المالية بشكل دوري، وتوضح للرأي العام تفاصيل الميزانيات، وقيمة المصاريف، وأهدافها، وتخضع لمراقبة مؤسسات مستقلة. فالحكامة أصبحت اليوم جزءاً من التنافس الرياضي، تماماً كما أصبحت النتائج فوق أرضية الملعب.

وفي المقابل، يبقى من حق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تقديم توضيحات دقيقة بشأن الأرقام المتداولة، وطبيعة الوفد الرسمي، ومصادر التمويل، وحقيقة المصاريف التي أثيرت حولها تساؤلات. فالتوضيح المؤسس على الوثائق هو السبيل الأمثل لإغلاق باب الإشاعات، وحماية المؤسسة نفسها من أي اتهامات غير مثبتة.

في النهاية، لا ينبغي أن تتحول الإنجازات الرياضية إلى حصانة ضد المساءلة، كما لا ينبغي أن تتحول الشبهات إلى أحكام نهائية دون أدلة. فالدول التي تبني رياضة قوية هي نفسها التي تجعل النجاح الرياضي متلازماً مع الشفافية، والرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبين فرحة الجماهير بالانتصارات داخل الملاعب، وحقها في الاطلاع على كيفية تدبير الموارد خارجها، تتحدد صورة المؤسسات الحديثة التي لا تخشى الرقابة، بل تعتبرها أحد شروط استمرار الثقة.