حين تصبح السياسة معركة على الثقة… ماذا تكشف انتقادات بوانو لحكومة أخنوش عن تحولات الدولة والمجتمع؟
ليست أخطر الأزمات التي تواجه الحكومات تلك التي تقاس بالأرقام الاقتصادية أو بنسب النمو أو بحجم الاستثمارات، وإنما تلك التي تتسلل بصمت إلى العلاقة النفسية بين المواطن والدولة، عندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن المؤسسات لم تعد قادرة على حماية توازناتهم اليومية، وأن القرارات العمومية تخدم مصالح فئات محددة أكثر مما تستجيب للمصلحة العامة. في هذا السياق، جاءت المداخلة السياسية لعبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، لتقدم قراءة شديدة القسوة لحصيلة حكومة عزيز أخنوش، واضعة في قلب النقاش سؤالاً أكبر من مجرد تقييم حكومي: هل يعيش المغرب أزمة سياسات، أم أزمة ثقة؟
لم يتوقف بوانو عند انتقاد تدبير ملف أو قطاع بعينه، بل حاول رسم صورة شاملة يعتبر فيها أن الاحتجاجات الاجتماعية المتفرقة، سواء في المناطق القروية أو الجبلية أو حتى داخل الأوساط الشبابية، ليست أحداثًا معزولة، وإنما مؤشرات على تصدع اجتماعي يتوسع تدريجيًا. فالاحتجاج، في هذا المنظور، لم يعد مجرد وسيلة للمطالبة بخدمة أو مشروع تنموي، بل تحول إلى لغة احتجاج على الإحساس بالتفاوت، وعلى شعور جزء من المواطنين بأنهم خارج دائرة الأولويات الاقتصادية.
ولعل أكثر العبارات إثارة للجدل في خطاب بوانو كانت حديثه عن أن “الإنجاز الأكبر” للحكومة هو تكريس منطق الاستحواذ وتضارب المصالح، وهي صياغة سياسية تعكس اتهامًا بأن التداخل بين النفوذ الاقتصادي والسلطة التنفيذية أصبح، بحسب رأيه، سمة بنيوية في طريقة تدبير الشأن العام. ورغم أن هذا الوصف يدخل في إطار الخطاب السياسي المعارض، فإنه يعيد إلى الواجهة نقاشًا ظل حاضرًا في الحياة العامة المغربية منذ سنوات، ويتعلق بحدود الفصل بين المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية الخاصة، وبأهمية تعزيز قواعد الحكامة والشفافية وتدبير حالات تضارب المصالح بما يحفظ ثقة المواطنين في المؤسسات.
ومن الناحية الاقتصادية، يربط بوانو بين هذا التشخيص وبين استمرار الغلاء، مستندًا إلى معطيات تفيد بأن نسبة كبيرة من الأسر تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة. وبغض النظر عن اختلاف التقديرات أو أسباب التضخم، فإن الواقع اليومي يؤكد أن القدرة الشرائية أصبحت إحدى أكثر القضايا حضورًا في وجدان الأسر المغربية. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات العمومية عبر المؤشرات الكلية وحدها، بل يقيسها من خلال فاتورة الغذاء، وأسعار الوقود، وكلفة النقل، وإيجار السكن، وقدرته على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في الاقتصاد السياسي؛ فحتى عندما تحقق الدولة معدلات نمو أو تستقطب استثمارات جديدة، فإن الشعور الشعبي قد يبقى سلبيًا إذا لم ينعكس ذلك مباشرة على حياة الناس. لذلك، فإن الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية والانطباع الاجتماعي قد تصبح مصدرًا لتآكل الثقة، وهو ما يجعل العدالة في توزيع ثمار النمو لا تقل أهمية عن تحقيق النمو نفسه.
وفي ملف الدعم العمومي، أثار بوانو تساؤلات حول الأموال التي خُصصت لدعم قطاع اللحوم الحمراء، مطالبًا بتفعيل آليات الرقابة البرلمانية للكشف عن مدى تحقيق هذه الاعتمادات لأهدافها. وهنا يتجاوز النقاش حدود الأغلبية والمعارضة، ليصل إلى جوهر الفلسفة الدستورية للرقابة على المال العام. فالأصل في الديمقراطيات ليس مجرد تخصيص الاعتمادات، وإنما إخضاعها للتقييم المستقل، وقياس أثرها الفعلي على الأسعار والأسواق والمستهلكين، بما يضمن أن يتحول الإنفاق العمومي إلى نتائج ملموسة لا إلى أرقام في التقارير.
كما أعاد رئيس المجموعة النيابية فتح النقاش حول سوق المحروقات، معتبرًا أن الأرباح التي تحققها الشركات مبالغ فيها، وداعيًا إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. ومهما اختلفت التقديرات حول حجم الأرباح أو طبيعة السوق، فإن هذا الملف ظل منذ تحرير أسعار المحروقات أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش العمومي، لأنه يرتبط مباشرة بكلفة النقل والإنتاج والأسعار، وبالتالي يؤثر في مختلف حلقات الاقتصاد الوطني.
ومن زاوية دستورية، يدافع بوانو عن تصور يعتبر أن البرلمان ليس مجرد فضاء تصادق فيه الأغلبية على مشاريع الحكومة، وإنما مؤسسة رقابية مستقلة يفترض أن تمتلك أدوات مساءلة السلطة التنفيذية، بما في ذلك لجان تقصي الحقائق. وهذه الرؤية تعيد التذكير بأن قوة البرلمان لا تقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما بقدرته على ممارسة اختصاصاته الرقابية والتشريعية، وبمدى استعداد مختلف مكوناته لجعل المصلحة العامة فوق الحسابات السياسية الضيقة.
وفي المقابل، يمكن قراءة هذا الخطاب أيضًا باعتباره جزءًا من استراتيجية سياسية يسعى من خلالها حزب العدالة والتنمية إلى إعادة التموضع داخل المشهد السياسي بعد التراجع الانتخابي الذي عرفه سنة 2021. فالتأكيد على أن التمثيلية البرلمانية لا تعكس الوزن الحقيقي للحزب يحمل رسالة موجهة إلى الرأي العام وإلى قواعد الحزب، مفادها أن الحضور السياسي لا يقاس فقط بعدد المقاعد، بل كذلك بالقدرة على التأثير في النقاش العمومي وصناعة القضايا التي تشغل المواطنين.
غير أن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه يتجاوز الأشخاص والأحزاب: كيف يمكن للدولة أن تحافظ على منسوب الثقة في مؤسساتها وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة؟ فالاستقرار لا يقوم فقط على الأمن والمؤسسات، وإنما يحتاج أيضًا إلى شعور المواطن بأن قواعد المنافسة عادلة، وأن المال العام يخضع للمحاسبة، وأن الأسواق تعمل وفق مبادئ الشفافية، وأن السياسات العمومية تحقق أثرًا محسوسًا في حياته اليومية.
فالدرس الذي يكشفه هذا السجال السياسي هو أن معركة المستقبل لن تكون مجرد منافسة بين حكومة ومعارضة، بل ستكون معركة على استعادة الثقة. وعندما تصبح الثقة هي الرهان الأكبر، فإن الحكومات مطالبة بتقديم نتائج قابلة للقياس، والمعارضة مطالبة بتقديم بدائل عملية لا تقتصر على النقد، بينما تبقى المؤسسات الرقابية والقضائية والبرلمانية الضامن الحقيقي لتحويل الخلاف السياسي إلى فرصة لتعزيز الحكامة، لا إلى عامل يوسع فجوة الثقة بين المواطن والدولة.