بين موكب المرسيدس ووعورة الطريق… محمد واموسي يضع زيارة وهبي تحت مجهر السياسة والصورة

0
106

ليست كل تغريدة مجرد تعليق عابر على حدث سياسي، فبعضها يتحول إلى مدخل لطرح أسئلة أكبر من الواقعة نفسها. وهذا ما فعله الصحفي المغربي المقيم بفرنسا محمد واموسي، حين نشر تغريدة مرفقة بمقطع فيديو يوثق زيارة وزير العدل عبد اللطيف وهبي إلى إحدى المناطق النائية القريبة من مدينة تالوين بإقليم تارودانت. فمن خلال لغة ساخرة ومفارقات لاذعة، لم يكن واموسي يسرد تفاصيل زيارة ميدانية فحسب، بل كان يقرأ مشهداً سياسياً كاملاً، تتقاطع فيه الصورة بالرمز، والرسالة الانتخابية بواقع التهميش الذي تعيشه مناطق واسعة من المغرب العميق.

في ظاهر المشهد، بدا الأمر وكأنه زيارة تفقدية لمسؤول حكومي إلى منطقة نائية، في خطوة تحمل رسائل التضامن والإنصات إلى هموم السكان. لكن التفاصيل التي توقف عندها محمد واموسي سرعان ما تنقل المتلقي من ظاهر الصورة إلى معناها السياسي. فالموكب الذي ضم سيارات مرسيدس وأودي وفولكسفاغن فاخرة لم يكن، في قراءته، مجرد وسيلة نقل، بل أصبح رمزاً للفجوة القائمة بين عالم السلطة وعالم المواطن، خصوصاً عندما اضطرت تلك السيارات إلى التوقف عند حدود الطرق غير المعبدة، ليكمل الوفد أمتاراً قليلة سيراً على الأقدام قبل أن توثق الكاميرات المشهد وتعود القافلة إلى سياراتها المكيفة.

هذه المفارقة هي قلب الرسالة التي أراد واموسي إيصالها. فالسؤال لم يعد يتعلق بعدد السيارات أو نوعها، بل بما تعكسه الصورة من تناقض صارخ بين مظاهر الرفاهية التي ترافق المسؤولين، وبين واقع منطقة ما تزال تفتقر إلى أبسط البنيات الأساسية. وهنا تتحول الطريق الترابية إلى أكثر من مجرد مسلك قروي؛ إنها شهادة صامتة على سنوات من الانتظار، وعلى مشاريع تنموية لم تصل بعد إلى سكان الهامش.

ولا يقف خطاب محمد واموسي عند حدود السخرية من تفاصيل الزيارة، بل يتجاوزها إلى نقد ثقافة سياسية باتت مألوفة في الوعي الجمعي، حيث تستعيد المناطق المهمشة قيمتها السياسية كلما اقتربت المواعيد الانتخابية، ثم تعود إلى دائرة النسيان بعد انقضاء موسم الاقتراع. لذلك جاءت عبارته التي تشير إلى أن المنطقة لم تحظ بهذا “الاهتمام الاستثنائي” إلا بعد خمس سنوات من الغياب، لتختصر إحساساً متراكماً لدى كثير من المواطنين بأن الذاكرة السياسية لا تستيقظ إلا عندما تصبح أصوات الناخبين على الأبواب.

ومن أكثر المقاطع بلاغة في التغريدة، ذلك الذي منح فيه الكاتب صوتاً للحفر، والطرقات الوعرة، وانعدام الماء الصالح للشرب، وغياب الكهرباء، وشبكات الصرف الصحي البدائية، وكأن الجماد هو الذي يتحدث نيابة عن السكان. إنها سخرية سوداء، لكنها تحمل في عمقها رسالة سياسية قاسية؛ فعندما تصبح البنية التحتية هي التي “ترحب” بالوزير، فهذا يعني أن الواقع أصبح أبلغ من كل الخطب والتصريحات.

غير أن القراءة المتأنية لهذا المشهد تقود إلى سؤال أعمق: هل كانت الزيارة موجهة أساساً إلى سكان المنطقة، أم إلى عدسات الكاميرات والرأي العام؟ ففي زمن أصبحت فيه الصورة السياسية جزءاً من صناعة الرأي العام، لم تعد الزيارات الميدانية تقاس بعدد المصافحات أو الأمتار التي يقطعها المسؤول على قدميه، بل بما تتركه من أثر عملي بعد مغادرة الموكب. فالمواطن الذي تابع الفيديو لا يبحث عن صورة مسؤول يسير فوق طريق وعرة، بقدر ما ينتظر أن تختفي تلك الطريق الوعرة في الزيارة التالية لأنها أصبحت طريقاً معبدة.

ويكشف محمد واموسي، من خلال تفاصيل تبدو بسيطة، عن تحوّل عميق في علاقة المجتمع المغربي بالخطاب السياسي. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تكتفي بنقل الوقائع، بل أصبحت تعيد تأويلها، وتمنح الجمهور أدوات جديدة لقراءة التناقضات. وما كان في السابق يُقدَّم باعتباره نجاحاً في التواصل الميداني، قد يتحول اليوم إلى مادة للنقد، إذا عجزت الصورة عن إخفاء الفارق بين الخطاب الرسمي والواقع الذي توثقه الكاميرا.

ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذه الواقعة، هي أن المواطن المغربي لم يعد يكتفي بمشاهدة المسؤولين وهم يزورون المناطق النائية، بل أصبح يقيس صدقية تلك الزيارات بمدى قدرتها على تغيير حياة الناس. فالطرقات، والماء، والكهرباء، والصرف الصحي، والخدمات الأساسية، لم تعد مجرد مطالب اجتماعية، بل أصبحت معياراً للحكم على جدية السياسات العمومية.

وفي النهاية، فإن تغريدة محمد واموسي لا تقف عند حدود التعليق على زيارة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، بل تطرح سؤالاً يتجاوز الأشخاص والأحزاب: هل ما تزال السياسة في المغرب تنظر إلى الهامش باعتباره فضاءً للتنمية المستدامة، أم أنها لا تتذكره إلا عندما يقترب موعد الانتخابات؟ إنه سؤال لا يجيب عنه الفيديو وحده، بل يجيب عنه الواقع الذي ينتظر، منذ سنوات، أن تتحول الزيارات الموسمية إلى مشاريع دائمة، وأن تتحول الصور العابرة إلى تنمية يلمسها المواطن في حياته اليومية.