حين قال وهبي: «المحامون يريدون إخضاع الدولة»… تصريح خطير يعيد رسم خطوط الصراع داخل العدالة المغربية

0
117

عبد اللطيف وهبي وإصلاح العدالة… هل يقود المغرب نحو ثورة تشريعية أم نحو معركة مع المؤسسات؟

ليست كل الحوارات التلفزيونية مجرد مناسبة للإجابة عن أسئلة الصحافيين، فبعضها يتحول إلى لحظة سياسية تكشف أكثر مما تعلن، وتفصح عما يدور داخل غرف صناعة القرار أكثر مما تفصح عنه البلاغات الرسمية. وهذا ما بدا جلياً في الحوار الذي خص به وزير العدل عبد اللطيف وهبي إحدى المنصات الإعلامية، حيث لم يكن الرجل يعرض حصيلة قطاع وزاري فحسب، بل كان يرسم ملامح رؤية كاملة لإعادة تشكيل العدالة المغربية، ويبعث في الوقت نفسه برسائل متعددة الاتجاهات إلى القضاة والمحامين والسياسيين والرأي العام.

منذ الدقائق الأولى، بدا واضحاً أن وهبي لا يريد أن يُقرأ باعتباره وزيراً يدبر ملفات تقنية داخل وزارة العدل، بل باعتباره صاحب مشروع سياسي وفكري يرى أن المنظومة القانونية المغربية بلغت مرحلة لم يعد فيها الإصلاح الجزئي كافياً، وأن الدولة مطالبة بإعادة النظر في فلسفة العقاب، وفي تنظيم المهن القضائية، وفي العلاقة بين السلطة التنفيذية وباقي الفاعلين داخل منظومة العدالة. إنها ليست مراجعة لبعض النصوص، وإنما محاولة لإعادة تعريف مفهوم العدالة نفسه داخل الدولة المغربية.

غير أن هذا الخطاب، رغم طابعه الإصلاحي، لم يخلُ من مفارقة تستحق الوقوف عندها. فكلما تحدث الوزير عن ضرورة بناء توافقات مؤسساتية واسعة لإنجاح الإصلاح، عاد خطابه ليؤكد في الآن ذاته قناعات شخصية حادة، لا تخفي استعداده للدخول في مواجهة مع كل من يعتبره عائقاً أمام مشروعه. هنا تبدأ القراءة بين السطور؛ إذ لا يعود السؤال متعلقاً فقط بما يريد وهبي إصلاحه، بل أيضاً بالطريقة التي يختار بها إدارة هذا الإصلاح، وحدود التوازن بين الجرأة السياسية ومتطلبات التوافق المؤسساتي.

ولعل أولى القضايا التي تعكس هذا التحول تتمثل في مشروع العقوبات البديلة، الذي قدمه الوزير باعتباره أحد أكبر التحولات التي عرفها القانون الجنائي المغربي منذ عقود. ففي الظاهر، يبدو المشروع استجابة لواقع موضوعي تعيشه المؤسسات السجنية، حيث الاكتظاظ، وارتفاع نسبة المعتقلين احتياطياً، وتزايد كلفة العقوبة السالبة للحرية. لكن القراءة الأعمق تكشف أن الأمر يتجاوز معالجة أزمة السجون إلى مراجعة فلسفة العقوبة ذاتها.

فوهبي لا ينطلق من فكرة أن السجن هو الوسيلة الطبيعية لتحقيق العدالة، بل يرى أن العقوبة ينبغي أن تؤدي وظيفة اجتماعية وتربوية قبل أن تكون مجرد أداة للردع. وهو بذلك يقترب من المدرسة الحديثة في السياسة الجنائية التي تعتبر أن نجاح العدالة لا يقاس بعدد المسجونين، وإنما بقدرة المجتمع على تقليص العود إلى الجريمة وإعادة إدماج المحكوم عليهم داخل النسيج الاجتماعي.

هذه المقاربة تعكس تحولاً مهماً في التفكير التشريعي المغربي، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً آخر أكثر تعقيداً: هل المؤسسات العمومية جاهزة فعلاً لتطبيق هذه الفلسفة الجديدة؟

فالانتقال من عقوبة السجن إلى الخدمة الاجتماعية أو العلاج الإجباري أو المراقبة الإلكترونية لا ينجح بمجرد إصدار قانون، وإنما يحتاج إلى منظومة كاملة من المؤسسات والموارد البشرية وآليات المراقبة والتتبع. وهذا ما التقطه بعض المتدخلين في الحوار حين أشاروا إلى أن جودة النص القانوني لا تكفي وحدها، إذا كانت أدوات التنفيذ لا تزال غائبة أو غير مكتملة.

وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات التي يحملها المشروع الإصلاحي برمته؛ فالإصلاح التشريعي في المغرب غالباً ما يتقدم بسرعة أكبر من الإصلاح المؤسساتي، وهو ما يجعل الفجوة بين النص والواقع أكبر من الفجوة بين القديم والجديد. فالقانون قد يتغير في البرلمان خلال أشهر، لكن تغيير الثقافة الإدارية والقضائية يحتاج سنوات طويلة.

وفي معرض حديثه عن الأحكام القضائية، أثار وهبي واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل منظومة العدالة، حين أعاد التأكيد على أن بعض العقوبات تبدو قاسية، وأن القانون نفسه يحتاج إلى مراجعة تسمح للقضاة باستعمال أوسع لظروف التخفيف. ومن الناحية القانونية، يمكن اعتبار هذا الطرح امتداداً لنقاش عالمي حول التناسب بين الجريمة والعقوبة، غير أن صدوره عن وزير العدل يمنحه بعداً سياسياً مختلفاً.

فالوزير حاول أن يفصل بين نقد النص القانوني واحترام استقلال السلطة القضائية، مؤكداً أنه لا ينتقد القضاة وإنما ينتقد القوانين التي يطبقونها. إلا أن هذا التمييز، رغم وجاهته النظرية، لم يكن كافياً لاحتواء الجدل، لأن الرأي العام، بل وحتى بعض القضاة، ينظرون إلى تصريحات وزير العدل باعتبارها صادرة عن عضو في السلطة التنفيذية، لا عن أستاذ في القانون أو سياسي خارج الحكومة.

وهنا يكمن أحد أبرز أوجه التوتر في خطاب وهبي؛ فهو يصر على الاحتفاظ بحق السياسي في التعبير عن قناعاته الشخصية، حتى وهو وزير، بينما يرى جزء من الفاعلين القضائيين أن المنصب الوزاري يفرض قدراً أكبر من التحفظ، حتى لا تتحول القناعة الشخصية إلى رسالة سياسية قد تُفهم باعتبارها توجيهاً غير مباشر للسلطة القضائية.

إنها ليست مجرد معركة حول الكلمات، بل حول الحدود الدقيقة التي تفصل بين حرية الوزير في التعبير، وواجب الدولة في صيانة صورة استقلال القضاء.

وفي هذا السياق، بدا الحوار وكأنه يعكس صراعاً أعمق من مجرد خلاف قانوني؛ صراعاً حول من يمتلك حق تعريف العدالة نفسها: هل هو المشرع؟ أم القاضي؟ أم الوزير الذي يقود الإصلاح؟ أم مختلف الفاعلين داخل الحقل القضائي؟

يتبع… (في الجزء الثاني سأنتقل إلى تفكيك الصدام مع المحامين، ومدونة الأسرة، والرسائل السياسية العميقة التي حملها خطاب وهبي، قبل الوصول إلى الخاتمة التحليلية.)