من الشراكة إلى المعاهدة… لماذا قررت فرنسا نقل علاقتها مع المغرب إلى مستوى لا تملكه مع أي دولة خارج الاتحاد الأوروبي؟

0
132

لم يكن الاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى الخامس عشر مجرد محطة بروتوكولية لإحياء آلية التعاون الثنائي بعد سنوات من الجمود، ولا مجرد مناسبة للتوقيع على سلسلة جديدة من الاتفاقيات القطاعية. فما صدر في الرباط يتجاوز بكثير لغة البيانات الدبلوماسية المعتادة، ويكشف عن تحول استراتيجي عميق في تصور باريس لموقع المغرب داخل سياستها الخارجية. وعندما يعلن رئيس الوزراء الفرنسي أن معاهدة الصداقة التي ستوقع خلال الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس ستكون أوسع وأعمق من اتفاق “الشراكة الاستثنائية المعززة”، فإن الرسالة الحقيقية ليست قانونية فقط، بل جيوسياسية بالدرجة الأولى.

فاللغة الدبلوماسية لا تستخدم عبارة “معاهدة” اعتباطا. الاتفاقيات يمكن تعديلها أو تجميدها أو تجاوزها مع تغير الحكومات، أما المعاهدات فتؤسس لعلاقة طويلة المدى تتجاوز الظرف السياسي، وتخلق التزامات استراتيجية بين الدول. ولهذا فإن الإعلان عن أول معاهدة من هذا النوع توقعها فرنسا مع دولة خارج الاتحاد الأوروبي يحمل دلالة تتجاوز الثنائية المغربية الفرنسية، ليصبح مؤشرا على إعادة رسم أولويات باريس في جنوب المتوسط وإفريقيا.

ما يلفت الانتباه أن الاجتماع لم يركز على الماضي بقدر ما انشغل ببناء المستقبل. فمنذ زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024، لم تتوقف وتيرة الزيارات الوزارية المتبادلة، ولا دينامية المشاريع الاقتصادية الكبرى. لكن الجديد اليوم هو الانتقال من مرحلة استعادة الثقة إلى مرحلة بناء منظومة مصالح يصعب فك ارتباطها مستقبلا. فالدول لا تتحدث عن الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة، والصناعات الدفاعية، والربط الكهربائي، والقطار فائق السرعة، والأمن السيبراني، والتعاون العسكري، إلا عندما تكون بصدد هندسة شراكة تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى تقاسم المصالح الاستراتيجية.

ومن بين السطور، تبدو فرنسا وكأنها تعترف بأن السنوات السابقة، التي شهدت فتورا غير مسبوق في العلاقات الثنائية، كانت استثناءً أكثر منها قاعدة. فاستئناف الاجتماعات رفيعة المستوى بعد انقطاع، وتعبئة أكثر من عشرين وزيرا من الجانبين، والإعلان عن عشرات الاتفاقيات والمشاريع، كلها مؤشرات على أن باريس اختارت طي صفحة التردد التي طبعت سياستها تجاه الرباط، خاصة في القضايا ذات الحساسية السيادية.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذا التحول عن الموقف الفرنسي الواضح من قضية الصحراء المغربية. فالإشادة المغربية المتكررة بهذا الموقف، والتأكيد الفرنسي المتجدد على أنه “ثابت ولا رجعة فيه”، لم يعد مجرد موقف سياسي عابر، بل أصبح أحد الأعمدة التي أعادت بناء الثقة بين العاصمتين. فالدبلوماسية المغربية جعلت من وضوح المواقف تجاه وحدتها الترابية معيارا لإعادة ترتيب شراكاتها الدولية، ويبدو أن فرنسا أدركت أن استعادة مكانتها التقليدية لدى المغرب تمر أولا عبر إزالة هذا الغموض.

لكن القراءة الأعمق تكشف أن باريس ليست وحدها التي تغيرت؛ فالمغرب أيضا لم يعد ذلك الشريك الذي يبحث عن الاعتراف الأوروبي بقدر ما أصبح طرفا يفرض شروط العلاقة انطلاقا من موقعه الجيوسياسي الجديد. فالمملكة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منصة صناعية ولوجستية وطاقية تربط أوروبا بإفريقيا، وإلى فاعل أمني رئيسي في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، فضلا عن دورها المتزايد في ملفات الساحل وغرب إفريقيا. وهذا ما يفسر لماذا أصبحت فرنسا تتحدث عن “تقاسم سلاسل القيمة” وليس فقط عن الاستثمار أو التعاون الاقتصادي.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو طبيعة الاتفاقيات الموقعة. فعلى المستوى الظاهر تبدو متنوعة بين النقل، والتعليم، والثقافة، والطيران المدني، والماء، والزراعة، والبريد، والسينما، والصناعات الدفاعية. غير أن هذا التنوع يخفي فكرة واحدة: بناء شبكة مترابطة تجعل العلاقة المغربية الفرنسية أقل عرضة للتقلبات السياسية وأكثر ارتباطا بالمصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية المتبادلة. فكل قطاع جديد يدخل هذه الشراكة يضيف خيطا جديدا يصعب فصله مستقبلا.

كما أن إدراج ملفات مثل الذكاء الاصطناعي، واقتصاد البيانات، والابتكار، والانتقال الطاقي، وإزالة الكربون، يكشف أن باريس والرباط لا تريدان الاكتفاء بإدارة ملفات الحاضر، بل تسعيان إلى حجز موقع داخل الاقتصاد العالمي القادم. إنها شراكة تستثمر في المستقبل أكثر مما تستثمر في الماضي.

أما التعاون الأمني، فقد بدا في الخطاب الفرنسي أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فالإشادة بما تحقق في مكافحة الإرهاب، وشبكات الاتجار بالبشر، وتهريب المخدرات، والإعلان عن الإعداد لاتفاق أمني شامل، تؤكد أن الرباط أصبحت بالنسبة لباريس شريكا أمنيا لا غنى عنه، وليس مجرد جار في الضفة الجنوبية للمتوسط. وهذه النقطة بالذات تعكس إدراكا فرنسيا متزايدا بأن أمن أوروبا يبدأ من استقرار المغرب ومن فعالية أجهزته الأمنية.

في المقابل، لا يغيب البعد الاقتصادي عن هذه المعادلة. فالاتفاقيات الجديدة تأتي امتدادا لحزمة مشاريع استراتيجية تناهز قيمتها عشرة مليارات يورو، وتشمل البنيات التحتية، والطاقة، والصناعة، والربط السككي، والاستثمارات الكبرى. غير أن الرسالة الأهم ليست في قيمة الأموال، بل في طبيعة الاستثمارات التي تربط الاقتصادين داخل منظومة إنتاج واحدة، بما يجعل المغرب جزءا من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الأوروبية في سياق التحولات العالمية.

ومن زاوية أوسع، فإن باريس ترسل أيضا رسالة إلى شركائها الأوروبيين مفادها أن علاقتها مع الرباط لم تعد مجرد ملف ثنائي، بل أصبحت مدخلا لفهم التوازنات الجديدة في غرب المتوسط وإفريقيا. ولذلك فإن معاهدة الصداقة المرتقبة ليست فقط وثيقة قانونية بين بلدين، وإنما إعلان عن ولادة هندسة دبلوماسية جديدة، يكون المغرب أحد محاورها الأساسية.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لن تقاس بعدد الاتفاقيات ولا بحجم التصريحات، وإنما بمدى قدرة الطرفين على تحويل هذه الإرادة السياسية إلى مشاريع تنعكس على الاقتصاد، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والتنمية، وحركة الاستثمار، وخلق فرص العمل. فالتاريخ الدبلوماسي مليء بالمعاهدات التي بقيت حبرا على ورق، لكنه يعرف أيضا معاهدات غيرت خرائط التحالفات لعقود طويلة.

ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد اجتماع الرباط ليس ما إذا كانت العلاقات المغربية الفرنسية قد استعادت دفئها؛ فهذا أصبح أمرا واقعا. السؤال الحقيقي هو: هل تؤسس معاهدة الصداقة المرتقبة لتحالف استراتيجي طويل الأمد يعيد رسم موازين النفوذ في غرب المتوسط وإفريقيا، أم أنها ستكون مجرد تتويج سياسي لمرحلة استثنائية فرضتها تحولات الظرف الدولي؟ الإجابة لن تصنعها البلاغات الرسمية، بل ستصنعها القرارات التي ستتخذ بعد توقيع المعاهدة، عندما تتحول الوعود إلى وقائع، والرؤية إلى مصالح مشتركة يصعب التراجع عنها.