159 مليار درهم عجزًا تجاريًا في ستة أشهر… والغلاء يلتهم القدرة الشرائية ويُسقط الادخار من حياة المغاربة

0
107

بين أرقام الاقتصاد وشعارات التعبئة… ماذا تكشف تغريدة أيوب الرضواني عن المزاج الاجتماعي في المغرب؟

ليست تغريدة الناشط أيوب الرضواني مجرد تجميع لأرقام متفرقة عن الاقتصاد المغربي، بل هي محاولة لبناء سردية سياسية واجتماعية تقوم على المقارنة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وبين الخطاب الرسمي الذي يركز على تعبئة المغاربة لإنجاح الاستحقاقات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.

ومن هنا، فإن أهمية هذه التغريدة لا تكمن في صحة أو عدم صحة كل رقم على حدة، وإنما في الرسالة التي تريد إيصالها: أن المواطن يعيش ضغطًا اقتصاديًا يوميًا، بينما يتحرك الخطاب العمومي نحو أولويات يعتبرها جزء من الرأي العام بعيدة عن انشغالاته المعيشية.

غير أن القراءة الصحفية المتأنية تقتضي الفصل بين المعطيات المؤكدة، والتقديرات، والآراء السياسية، لأن بعض الأرقام الواردة في التغريدة تحتاج إلى تدقيق أو سياق حتى لا تتحول إلى استنتاجات قطعية.

من عجز الميزان التجاري… إلى سؤال النمو الذي لا يشعر به المواطن

تبدأ التغريدة بالإشارة إلى تسجيل المغرب أحد أكبر مستويات العجز التجاري خلال السنوات الأخيرة، وهو معطى ينسجم مع الاتجاه العام الذي أظهر اتساع الفجوة بين الواردات والصادرات بفعل ارتفاع فاتورة الاستيراد، خاصة الطاقة والمواد الغذائية والتجهيزات الصناعية. كما تشير تقارير دولية إلى استمرار عجز الميزان التجاري كنقطة ضعف هيكلية في الاقتصاد المغربي، رغم تحسن بعض القطاعات التصديرية كصناعة السيارات والطيران.

لكن هذا الرقم، في ذاته، لا يعني أن الاقتصاد ينهار، لأن الاقتصادات الصاعدة قد تسجل عجزًا تجاريًا مرتفعًا إذا كان جزء مهم من الواردات موجهًا للاستثمار والإنتاج. غير أن المشكلة تظهر عندما لا ينعكس ذلك على تحسين مستوى معيشة الأسر أو خلق فرص شغل كافية، فيتحول النمو إلى أرقام محاسبية أكثر منه واقعًا اجتماعيا.

وهنا تبدأ الفجوة بين الاقتصاد الكلي كما تراه المؤسسات، والاقتصاد اليومي كما يعيشه المواطن.

الغلاء… حين تصبح الأرقام تجربة يومية

تربط التغريدة بين العجز التجاري والغلاء، وتنتقل مباشرة إلى أسعار اللحوم، في إشارة إلى اقتراب سعر الكيلوغرام من مستويات قياسية.

وبغض النظر عن تغير الأسعار بين منطقة وأخرى، فإن الرسالة الأساسية واضحة: المواطن لا يقيس نجاح السياسات الاقتصادية بنسبة النمو أو حجم الاستثمار، بل يقيسها بثمن اللحم، والخضر، والخبز، والإيجار، وفاتورة الكهرباء.

ولهذا فإن التضخم لا يبقى مجرد مؤشر اقتصادي، بل يتحول إلى عامل يعيد تشكيل السلوك الاجتماعي للأسر، حيث تتراجع القدرة على الادخار، ويزداد الاعتماد على القروض، ويصبح الإنفاق موجها نحو الضروريات فقط.

ولهذا السبب، فإن الإحصاءات التي تشير إلى أن نسبة كبيرة من الأسر تجد صعوبة في الادخار أصبحت تعكس تحولا بنيويا في نمط العيش، لا مجرد ظرف اقتصادي عابر.

من الدعم الاجتماعي إلى سؤال الهشاشة

تستحضر التغريدة أرقامًا مرتبطة بالمستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وقفة رمضان.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين.

الأول أن توسع برامج الدعم يعكس وجود سياسة اجتماعية أكثر اتساعًا مما كان عليه الوضع قبل سنوات.

أما الثاني، فهو أن ارتفاع عدد المستفيدين يمكن أن يقرأ أيضًا باعتباره مؤشرًا على اتساع قاعدة الهشاشة الاجتماعية، لأن الحاجة إلى الدعم تعني، في جانب منها، أن جزءًا مهمًا من الأسر لا يستطيع مواجهة تكاليف الحياة دون تدخل الدولة.

وبالتالي فإن نجاح برامج الدعم لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، وإنما أيضًا بقدرتها على تقليص عدد المحتاجين إليها مستقبلا.

الديون… بين الاستثمار والاستدامة

تشير التغريدة إلى ارتفاع الدين العمومي والدين الخارجي.

وفي الواقع، تؤكد المؤسسات الدولية أن الدين العمومي المغربي يبقى عند مستويات تستوجب المتابعة الدقيقة، لكنها لا تصنفه حاليا ضمن مستويات عدم الاستدامة، مع توصيات بمواصلة ضبط المالية العمومية وتحسين مردودية الاستثمار العمومي.

وهنا يكمن جوهر النقاش الحقيقي.

فالاقتراض ليس مشكلة في حد ذاته؛ فمعظم الدول تقترض.

لكن السؤال هو: هل تتحول القروض إلى مشاريع منتجة تخلق الثروة وفرص العمل وترفع الإنتاجية، أم أنها تتحول إلى أعباء مالية تثقل الأجيال المقبلة دون عائد اقتصادي كاف؟

هذا هو السؤال الذي يغيب غالبًا عن النقاش العمومي.

مونديال 2030… بين الرهان الاستراتيجي والنقاش الاقتصادي

ربطت التغريدة كذلك بين الاستثمارات المرتبطة بكأس العالم وبين استفادة الشركات الأجنبية.

وتشير تقارير دولية، ومنها تقييمات لصندوق النقد الدولي، إلى أن الأثر الاقتصادي للمشروعات الكبرى يعتمد بدرجة كبيرة على نسبة المكون المحلي، ومدى مشاركة المقاولات الوطنية، وقدرتها على الاستفادة من سلاسل التوريد ونقل التكنولوجيا. ولا يمكن الجزم مسبقًا بأن المكاسب ستكون محدودة أو واسعة دون تقييم تفصيلي لكل مشروع.

لذلك، فإن النقاش لا ينبغي أن يكون حول تنظيم المونديال في حد ذاته، بل حول كيفية تحويل هذا الحدث من مناسبة رياضية إلى مشروع تنموي طويل الأمد.

فإذا بقيت أغلب الصفقات والتجهيزات تعتمد على الاستيراد، فإن جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة سيغادر الاقتصاد الوطني.

أما إذا نجحت الدولة في رفع نسبة الإدماج الصناعي المحلي، فإن الاستثمار يمكن أن يتحول إلى فرصة لتطوير الصناعة الوطنية والتشغيل.

لماذا تنتهي التغريدة بالدعوة إلى “التعبئة”؟

أكثر ما يلفت الانتباه في التغريدة ليس الأرقام، وإنما المفارقة التي تنتهي بها.

فبعد عرض سلسلة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، تنتقل مباشرة إلى خطاب رسمي يدعو إلى “التعبئة الشاملة” لإنجاح مونديال 2030.

وهنا تبني التغريدة مفارقة رمزية: إذا كانت التعبئة الوطنية مطلوبة، فإنها – من وجهة نظر كاتبها – ينبغي أن تبدأ بمعالجة القدرة الشرائية، وتقليص الهشاشة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، لأن تعبئة المواطنين تصبح أكثر قوة عندما يشعرون بأن ثمار التنمية تنعكس على حياتهم اليومية.

ما الذي تكشفه هذه التغريدة عن المجتمع؟

بعيدا عن الجدل السياسي، تكشف هذه التغريدة عن تحول أعمق داخل المزاج الاجتماعي المغربي.

فالمواطن أصبح يقارن بين الخطاب الرسمي وتجربته الشخصية، وبين المؤشرات الاقتصادية المجردة وما يعيشه داخل السوق، وبين المشاريع الكبرى وبين دخله الشهري.

ولذلك فإن النقاش لم يعد يدور فقط حول صحة الأرقام، بل حول الثقة: هل يشعر المواطن بأن النمو الاقتصادي ينعكس على حياته؟ وهل تستطيع السياسات العمومية تقليص الفجوة بين الاقتصاد المعلن والاقتصاد المعيش؟

إنها أسئلة تتجاوز صاحب التغريدة نفسه، لأنها تعكس نقاشًا عامًا حول العدالة الاجتماعية، وتوزيع ثمار النمو، وأولويات الاستثمار العمومي. وفي هذا المعنى، تصبح التغريدة وثيقة تعبر عن اتجاه من اتجاهات الرأي العام، أكثر مما تقدم، وحدها، حكمًا نهائيًا على الواقع الاقتصادي.