في الدول التي تجعل من القضاء سلطة مستقلة لا مجرد مؤسسة إدارية، لا تتوقف قيمة العدالة عند صدور الأحكام، بل تبدأ منذ اللحظة التي يصبح فيها صاحب النفوذ خاضعًا للمساءلة مثل أي مواطن. ولذلك، فإن إحالة زوجة رئيس الوزراء الإسباني إلى المحاكمة لا تبدو مجرد خبر قضائي، بل رسالة سياسية ومؤسساتية تقول إن النفوذ لا يمنح حصانة دائمة، وإن السلطة ليست امتيازًا فوق القانون.
لكن، وعلى الضفة الأخرى، يطرح هذا المشهد سؤالًا مؤلمًا يفرض نفسه خارج الحدود الإسبانية أيضًا: ماذا يحدث عندما تتحول شكاوى المواطنين إلى ملفات تختفي، أو تتبدل مساراتها بصورة تثير علامات الاستفهام؟ وماذا يبقى من الثقة في العدالة عندما يشعر أصحاب الحقوق بأن نفوذًا ما قد يكون أقوى من القانون؟
وفي هذا السياق، أستحضر تجربة شخصية أعتبرها من أكثر محطات حياتي المهنية والإنسانية إيلامًا. فمن وجهة نظري، تعرض مشروعي في رياضة الجيوجيتسو البرازيلي، الذي كرست له سنوات من العمل والتخطيط، للاستيلاء باستعمال النفوذ من طرف وزير سابق. وعندما لجأت إلى القضاء الإداري طلبًا للإنصاف، عشت، بحسب ما أؤكد، سلسلة من الوقائع التي ما زلت أعتبرها مثيرة للاستغراب؛ من بينها اختفاء ملف القضية، وتغيير الهيئة القضائية التي كانت تنظر فيها في ظرف وجيز، ثم صدور الحكم دون أن تمر القضية، وفق ما أعتقد، بمسطرة المداولة بالشكل الذي كنت أراه مستحقًا. وما زلت إلى اليوم أطالب بكشف الحقيقة كاملة وترتيب المسؤوليات، إيمانًا مني بأن العدالة لا تكتمل إلا عندما يشعر المواطن بأن القانون يحميه مهما كان الطرف المقابل.
هذا التباين هو ما يجعل الخبر الإسباني يتجاوز حدوده الوطنية، لأنه يفتح بابًا أوسع للنقاش حول مفهوم الدولة الحديثة، وحول العلاقة بين السلطة والعدالة، وبين النفوذ والمسؤولية.
فقد أحالت محكمة في مدريد، الخميس، بيغونيا غوميز، زوجة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إلى المحاكمة بتهمتي استغلال النفوذ واختلاس أموال عامة، بعد تحقيقات استمرت قرابة عامين. وفي الوقت نفسه، قررت المحكمة رفع قرار منعها من مغادرة التراب الإسباني، بينما أسقطت تهمة الفساد التي كانت ضمن مسار التحقيق، في مؤشر على أن القضاء يتعامل مع كل تهمة بصورة مستقلة وفق ما يتوفر لديه من أدلة.
وبحسب ما أعلنته المحكمة، فإن القضية ستُعرض أمام هيئة محلفين للنظر في التهم المتبقية، بعد أن رأى قاضي التحقيق وجود مبررات قانونية كافية لإحالتها إلى المحكمة المختصة. ولم يُحدد بعد موعد انطلاق جلسات المحاكمة، غير أن مجرد الانتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة المحاكمة يمثل تطورًا قانونيًا وسياسيًا بالغ الدلالة.
وتعود جذور الملف إلى أبريل 2024، عندما فتح القضاء الإسباني تحقيقًا بشأن شبهات تتعلق باستغلال بيغونيا غوميز لصفة زوجة رئيس الحكومة من أجل تحقيق منافع خاصة، وهي اتهامات نفتها بشكل متكرر، كما رفضها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، الذي اعتبر أن القضية تحمل أبعادًا سياسية.
غير أن اللافت في التجربة الإسبانية ليس مضمون الاتهامات بقدر ما هو طريقة اشتغال المؤسسات. فالتحقيق استمر قرابة عامين، وتغيرت التكييفات القانونية، وسقطت بعض التهم، واستمرت أخرى، دون أن يمنع الموقع السياسي لزوجها القضاء من مواصلة إجراءاته. وهذا ما يعكس فلسفة قانونية تقوم على أن المساءلة لا تعني الإدانة، وإنما تعني إخضاع الجميع للإجراءات ذاتها.
ومن زاوية “صحافة النظر”، فإن الرسالة الأعمق لا تكمن في شخص بيغونيا غوميز، بل في صورة الدولة التي تسمح للقضاء بأن يقترب من أعلى هرم السلطة التنفيذية دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره أزمة للنظام، بل باعتباره أحد مظاهر قوته. فكلما اتسعت دائرة الخضوع للقانون، ازدادت ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
وفي المقابل، تكشف هذه القضية عن سؤال عالمي يتجاوز إسبانيا: هل تمتلك كل الديمقراطيات الآليات نفسها لمحاسبة أصحاب النفود؟ وهل يكفي وجود النصوص القانونية إذا كان المواطن يشك في قدرة المؤسسات على تطبيقها دون تمييز؟
فالعدالة لا تُقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة، وإنما بقدرتها على طمأنة المجتمع بأن لا أحد فوق القانون، وأن الملفات لا تختفي، وأن القضاة يمارسون مهامهم باستقلال كامل، وأن الإجراءات تسير وفق الضمانات القانونية المقررة.
وفي النهاية، قد تُبرَّأ بيغونيا غوميز، وقد تُدان، فذلك أمر يقرره القضاء وحده. لكن القيمة الكبرى للقضية تكمن في أن المحاكمة نفسها أصبحت ممكنة، وأن اسم زوجة رئيس الحكومة جلس على مقعد المساءلة أمام مؤسسة قضائية مستقلة.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز الخبر الإسباني ليصل إلى كل الأنظمة القضائية: هل قوة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية أصحاب النفوذ، أم بقدرتها على إخضاعهم للقانون متى وُجدت شبهة تستوجب التحقيق والمحاكمة؟ ففي الإجابة عن هذا السؤال تتحدد، في النهاية، حقيقة دولة المؤسسات، ومعنى ربط المسؤولية بالمحاسبة.