ليست القضية المطروحة اليوم هي ما إذا كان حزب الله سيبقى أو سيختفي، فالحركات التي تنشأ في قلب التحولات الكبرى لا تنتهي بقرار سياسي أو اتفاق عسكري، وإنما تتحول مع تغير البيئة التي أوجدتها. بالتالي قد يكون السؤال المحوري الآن هو: هل ما يجري في الجنوب اللبناني يمثل بداية انتقال حزب الله من مرحلة “المقاومة العسكرية” إلى مرحلة “القوة السياسية”، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم يصل بعد إلى نهايته؟
إن قراءة المشهد اللبناني لا تستقيم إذا عُزل عن السياق الإقليمي. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، لم يكن حزب الله مجرد تنظيم محلي، بل كان نتاجًا لتقاطع ثلاثة مسارات كبرى: الفراغ الذي تركه ضعف الدولة اللبنانية، والتحول الاستراتيجي في السياسة الإيرانية بعد الثورة الإسلامية، واستمرار الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره القضية المركزية في المشرق.
وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، استطاع الحزب أن يبني شرعيته على معادلة بسيطة: كلما تراجعت قدرة الدولة على حماية الحدود، ازداد حضور الحزب. ولم تكن هذه المعادلة محل إجماع لبناني، لكنها كانت واقعًا فرضته الجغرافيا والحروب المتكررة.
اليوم، تبدو هذه المعادلة أمام اختبار غير مسبوق.
فالتفاهمات الأمنية الأخيرة، التي تقوم على انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية بالتوازي مع ترتيبات دولية وإقليمية، تعني أن الدولة تحاول استعادة وظيفة كانت موزعة عمليًا بين مؤسساتها الرسمية وقوى الأمر الواقع. وهنا يبدأ السؤال الأصعب: هل يستطيع لبنان أن يعيد بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة دون أن يدخل في صدام مع القوة التي تشكلت خارجها؟
التاريخ يعلمنا أن التنظيمات المسلحة لا تواجه اللحظة الفاصلة عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تتغير البيئة السياسية التي منحتها شرعية الوجود.
وفي هذا الإطار، لا يبدو أن التحدي الأكبر أمام حزب الله يأتي من إسرائيل وحدها، بل من تغير البيئة اللبنانية نفسها. فالأزمة الاقتصادية، والانهيار المالي، وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات، كلها عوامل جعلت أولويات المجتمع تختلف عما كانت عليه قبل عقدين. المواطن اللبناني الذي كان يقيس الأمن بغياب الاحتلال، أصبح يقيسه أيضًا بوجود الكهرباء والمصارف والمدارس وفرص العمل.
لكن هذا التحول الداخلي لا يلغي العامل الإقليمي.
فإيران لا تنظر إلى حزب الله باعتباره مجرد حليف لبناني، بل باعتباره أحد أهم عناصر منظومة الردع التي بنتها في الشرق الأوسط منذ الثمانينيات. ولذلك، فإن أي إعادة صياغة لدور الحزب ستظل مرتبطة بمستقبل العلاقة بين طهران وواشنطن، وبمستوى التوتر مع إسرائيل، وباتجاهات النظام الإقليمي الجديد.
ومن هنا، فإن مستقبل الحزب لا يُحسم في بيروت وحدها، بل يتأثر أيضًا بما يجري في طهران وواشنطن وتل أبيب.
ومن جهة أخرى، تبدو إسرائيل معنية بإضعاف القدرات العسكرية للحزب، لكنها تدرك أن إنهاء حضوره السياسي والاجتماعي ليس مهمة يمكن تحقيقها بالقوة العسكرية. فالتجارب السابقة أثبتت أن التنظيمات التي تمتلك امتدادًا مجتمعيًا لا تُهزم بالقصف وحده، وإنما عبر تغير البيئة التي تستند إليها.
ولذلك، فإن التفاهمات اللبنانية الإسرائيلية لا تعني نهاية الصراع، بل ربما تمثل انتقاله من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي.
ويبقى السؤال الأكبر متعلقاً بالدولة اللبنانية نفسها.
فإذا استطاعت الدولة أن تبني مؤسسات قوية، وتفرض سيادتها بالتوافق الوطني، فإن الحاجة إلى الأدوار الموازية ستتراجع تدريجيًا. أما إذا بقيت مؤسساتها ضعيفة وعاجزة عن إدارة الأمن والاقتصاد معًا، فإن الفراغ سيبقى مفتوحًا أمام القوى غير الرسمية، مهما تبدلت الاتفاقات.
إن ما يجري اليوم لا يشبه نهاية مرحلة بقدر ما يشبه بداية مرحلة جديدة.
فحزب الله يقف أمام استحقاق إعادة تعريف دوره في ظل متغيرات داخلية وإقليمية متسارعة، والدولة اللبنانية تقف أمام اختبار استعادة السيادة دون الانزلاق إلى الانقسام، فيما تراقب القوى الإقليمية والدولية هذا التحول باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل النظام الأمني في شرق المتوسط.
ولعل الدرس الأبرز في تاريخ المنطقة هو أن الحركات السياسية والعسكرية لا تنتهي عندما تتغير موازين القوة، بل عندما تتغير الأسئلة التي قامت للإجابة عنها.
وربما يكون السؤال الذي يفرض نفسه على لبنان اليوم ليس: هل يبقى حزب الله؟ وإنما: أي لبنان سيولد إذا نجحت الدولة في استعادة وظائفها، وأي دور سيختاره الحزب داخل هذا لبنان الجديد؟


