وسيط المملكة… حين تتحول الوساطة إلى امتحان للحكامة وملف الجوجيتسو البرازيلي يختبر حدود الإنصاف

0
143

 

حين تتحدث الأرقام… ويبدأ الامتحان الحقيقي للوساطة

لم يكن التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 مجرد وثيقة إحصائية ترصد عدد الملفات والتظلمات والقرارات، بل جاء في لحظة مؤسساتية تحمل أكثر من رسالة. فهو أول تقرير يصدر مع بداية ولاية جديدة للمؤسسة، وفي سياق اختارت فيه الدولة أن تمنح الوساطة المرفقية بعدًا رمزيًا جديدًا عبر اعتماد التاسع من دجنبر يومًا وطنيًا للوساطة. وهي رسالة سياسية ومؤسساتية واضحة مفادها أن العلاقة بين الإدارة والمواطن لم تعد شأنا إداريا صرفا، بل أصبحت جزءا من معركة بناء الثقة في المؤسسات وترسيخ دولة القانون.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بما أرادت المؤسسة أن تقوله، وإنما بما كشفته الأرقام نفسها دون أن تقوله صراحة. ففي صحافة النظر، لا تقرأ التقارير من خلال مقدماتها، بل من خلال الفجوة التي تفصل الخطاب عن الواقع، وبين الفلسفة المعلنة والنتائج التي تعكسها المؤشرات.

فمن الوهلة الأولى، تبدو الحصيلة إيجابية. فقد ارتفع عدد الملفات المسجلة إلى 9958 ملفا، بزيادة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بسنة 2024، كما ارتفع عدد الملفات المعالجة إلى أكثر من تسعة آلاف ملف، وارتفع عدد قرارات التسوية، وانخفض المخزون المتراكم من التوصيات. كلها مؤشرات توحي بأن المؤسسة أصبحت أكثر حضورا وأكثر قدرة على استيعاب الطلب المتزايد على الوساطة.

لكن القراءة المتأنية تقود إلى استنتاج مختلف. فالارتفاع الكبير في عدد التظلمات لا يعني فقط نجاح المؤسسة في استقطاب المواطنين، بل يعكس أيضا اتساع دائرة الاختلالات داخل المرفق العمومي. فكل ملف جديد ليس مجرد رقم يضاف إلى الإحصاءات، بل هو مواطن لم يجد حلا داخل الإدارة، واضطر إلى اللجوء إلى مؤسسة دستورية بحثا عن الإنصاف.

وتصبح الصورة أكثر دلالة عندما نقرأ طبيعة هذه التظلمات. فالملفات المالية والإدارية جاءت في الصدارة، غير أن المعطى الأكثر أهمية يتمثل في الصعود اللافت للتظلمات المرتبطة بالبرامج الاجتماعية والدعم العمومي والاستفادة من الخدمات. وهنا لا يتعلق الأمر بخلافات إدارية تقنية، وإنما بانعكاس مباشر لتحول الدولة إلى فاعل اجتماعي أكبر، وما يرافق ذلك من توسع في القرارات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

بهذا المعنى، لم يعد التظلم مجرد اعتراض على قرار إداري، بل أصبح مؤشرا على طبيعة العلاقة الجديدة بين الدولة الاجتماعية والمواطن. فكلما اتسعت تدخلات الدولة في مجالات الدعم والحماية الاجتماعية، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات قادرة على تصحيح آثار القرارات الإدارية عندما تخطئ أو عندما تعجز عن تفسير قراراتها بشكل مقنع.

وتكشف الخريطة القطاعية للتظلمات بدورها رسائل لا تقل أهمية. فتصدر قطاعات الداخلية والعدل والاقتصاد والمالية لا يعكس فقط حجم تعاملها اليومي مع المواطنين، بل يؤكد أن مركز الثقل في إنتاج النزاعات الإدارية لا يزال يوجد داخل الإدارات الأكثر تأثيرا في الحقوق الفردية والمالية والعقارية.

غير أن المفارقة الكبرى لا تكمن في عدد الملفات، وإنما في الزمن الإداري الذي تكشفه الأرقام. فقد بلغ متوسط تنفيذ التوصيات 815 يوما، أي أكثر من سنتين، بينما احتاجت الإدارة في المتوسط إلى 81 يوما للرد على أول مراسلة، ووصل متوسط معالجة بعض الملفات إلى مئات الأيام.

وهنا تبرز المفارقة التي لا تستطيع الأرقام إخفاءها. فإذا كانت الوساطة أنشئت لتقريب الإدارة من المواطن وتسريع الإنصاف، فإن طول آجال التنفيذ يهدد بتحويل العدالة الإدارية إلى عدالة متأخرة، والإنصاف المؤجل غالبا ما يفقد جزءا كبيرا من قيمته.

ورغم تسجيل انخفاض في عدد التوصيات المتراكمة، فإن استمرار مئات التوصيات دون تنفيذ يكشف أن التحدي الحقيقي لم يعد في إنتاج التوصيات، وإنما في إلزام الإدارات بالتجاوب معها. فمؤسسة الوسيط لا تملك سلطة الإلغاء أو الإلزام، وإنما تستند إلى قوة الحجة وسلطة المؤسسة الدستورية. وعندما يتأخر تنفيذ التوصيات، يصبح السؤال موجها إلى ثقافة الإدارة أكثر مما هو موجه إلى مؤسسة الوسيط.

غير أن الامتحان الحقيقي للوساطة لا يقاس فقط بالإحصاءات، وإنما بكيفية تعاملها مع الملفات التي تثير إشكالات قانونية ومؤسساتية معقدة، حيث يصبح دور الوسيط هو تفكيك منطق الإدارة، لا الاكتفاء بنقله.

ومن بين هذه الملفات، يبرز ملف الجامعة الملكية المغربية للجوجيتسو البرازيلي والرياضات المشابهة باعتباره حالة تختبر حدود الوساطة نفسها. فالقضية، كما تعرضها الوثائق، لا تتعلق بطلب تأسيس رُفض منذ البداية، بل بمسار إداري امتد لسنوات، بدأ بإحداث لجنة وطنية، ثم دراسة الملف داخل الوزارة، ثم مراسلات بالموافقة على استكمال إجراءات التأسيس، ثم انعقاد الجمع العام، والمصادقة على القانون الأساسي، واستمرار المسار الإداري، وصولا إلى تسجيل الاسم كعلامة رسمية لدى المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية إلى غاية سنة 2035.

قد تنتهي هذه الوقائع إلى وجود حق قانوني، وقد تنتهي إلى خلاف ذلك، لكن قيمتها الأساسية تكمن في أنها تطرح سؤالا جوهريا حول استقرار القرار الإداري. فحين تصدر الإدارة سلسلة من الأفعال القانونية التي تولد توقعا مشروعا لدى المخاطب بها، ثم تعتمد لاحقا تفسيرا مغايرا دون بيان أسباب هذا التحول، فإن النقاش لا يعود مرتبطا بالرياضة وحدها، بل بمبدأ الأمن القانوني نفسه.

فالجواب الذي نقلته مؤسسة وسيط المملكة عن الإدارة استند إلى المادة 25 من القانون رقم 30.09، معتبرا أن الجوجيتسو البرازيلي يدخل ضمن اختصاص جامعة قائمة. غير أن هذا الجواب، بحسب الوثائق المقدمة، لم يناقش الأسئلة التي تفرضها الوقائع السابقة.

متى اكتشفت الإدارة أن هذا النشاط يدخل ضمن اختصاص جامعة أخرى؟ هل كان ذلك قبل دراسة الملف أم بعدها؟ قبل الموافقة على استكمال إجراءات التأسيس أم بعدها؟ ولماذا استغرقت سنوات في معالجة الملف إذا كان المانع القانوني قائما منذ البداية؟

هذه ليست أسئلة للدفاع عن طرف ضد آخر، وإنما أسئلة تمليها قواعد المشروعية الإدارية. فالقرار الإداري لا يكتسب قيمته من توقيعه فقط، بل من انسجامه مع ما سبقه من مواقف رسمية، ومن قدرته على تفسير أي تحول يطرأ على موقف الإدارة.

وهنا تحديدا يبدأ الدور الحقيقي لمؤسسة الوسيط. فوظيفتها، كما رسمها الدستور، لا تختزل في إعادة إرسال جواب الإدارة إلى صاحب التظلم، وإنما في اختبار سلامة التعليل الإداري، والبحث في التناقضات إن وجدت، ومساءلة الإدارة عن أسبابها، واستحضار مبدأ الإنصاف عندما تصبح النصوص وحدها عاجزة عن معالجة الآثار التي ترتبت عن قرارات سابقة.

ولا يعني ذلك أن المؤسسة مطالبة بإلغاء قرارات الوزارات أو الحلول محل القضاء، فذلك ليس من اختصاصها، لكن من صميم رسالتها أن تمارس سلطتها الأخلاقية والدستورية في مساءلة الإدارة، وأن تدفعها إلى تقديم تعليل كامل ومتناسق، وأن تبحث عن مواطن الخلل عندما يبدو أن الوقائع والقرارات لا تسير في الاتجاه نفسه.

ومن هنا يكتسب التقرير السنوي بعدا آخر. فهو لا يقدم فقط حصيلة سنة من العمل، بل يضع المؤسسة نفسها أمام اختبار المرحلة المقبلة. فارتفاع الطلب على الوساطة يعني أن الثقة في المؤسسة تتزايد، لكن استمرار هذه الثقة سيظل رهينا بقدرتها على الانتقال من دور الوسيط الناقل للمواقف إلى دور الوسيط الذي يختبر منطقها القانوني ويعيد التوازن بين الإدارة والمواطن.

حين يتحول وسيط المملكة إلى ناقل لجواب الإدارة… أين تبدأ الوساطة وأين ينتهي البريد الإداري؟

فالرهان الحقيقي ليس أن ترتفع أعداد الملفات أو أن تتراجع التوصيات المتراكمة، وإنما أن يشعر المواطن بأن المؤسسة التي قصدها لم تكتف بإعادة إنتاج خطاب الإدارة، بل مارست وظيفتها الدستورية كاملة؛ أن تستمع، وأن تدقق، وأن تسائل، وأن تجعل من الإنصاف ممارسة مؤسساتية لا مجرد شعار.

وفي النهاية، تبقى الوساطة أحد أهم مؤشرات نضج دولة القانون. لكنها لا تحقق رسالتها بمجرد وجودها، وإنما بقدرتها على تحويل الأسئلة الصعبة إلى التزام مؤسساتي بالمحاسبة والتفسير. فحين يقصد المواطن مؤسسة دستورية طلبا للإنصاف، لا ينتظر منها أن تنقل إليه ما قالته الإدارة فحسب، بل ينتظر أن تسألها باسم الدستور: هل أجبتم حقا عن كل ما أثاره المواطن؟ هنا فقط تبدأ الوساطة، وهنا فقط تتحول من إجراء إداري إلى ضمانة حقيقية للثقة في الدولة.