حين تربح القضية ولا تربح حقك… كيف تتحول الإدارة إلى محطة استئناف غير منصوص عليها في القانون؟

0
103

ليست المعضلة الكبرى التي تواجه المواطن المغربي اليوم هي الوصول إلى قاعة المحكمة، ولا حتى انتظار سنوات حتى يصدر الحكم. المعضلة تبدأ، في كثير من الأحيان، بعد أن يعلن القاضي نهاية النزاع. فهناك مواطنون يخرجون من المحكمة وهم يحملون حكماً نهائياً صادرًا باسم الملك وطبقاً للقانون، لكنهم يكتشفون سريعاً أن الورقة التي انتصرت لهم قانونياً لا تكفي لاسترجاع حقهم عملياً. وهنا تبدأ رحلة جديدة، لا مع القضاء، بل مع الإدارة نفسها، وكأن الخصومة لم تنتهِ بعد.

إنها مفارقة تمس جوهر دولة القانون. فالدولة التي تمنح مواطنيها حق التقاضي لا تستطيع أن تكتفي بإصدار الأحكام، بل ينبغي أن تضمن تنفيذها. لأن العدالة التي لا تغادر رفوف المحاكم لتصل إلى حياة الناس اليومية، تتحول إلى عدالة ناقصة، مهما بلغت جودة النصوص القانونية أو استقلالية القضاء.

تقرير رسمي يضع الإصبع على الجرح

هذه الصورة لم تعد مجرد انطباعات يتداولها المتقاضون أو الجمعيات الحقوقية، بل أصبحت موثقة في التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025، الذي قدمه وسيط المملكة حسن طارق في يوليوز 2026، كاشفاً أن معركة تنفيذ الأحكام القضائية ما تزال واحدة من أكثر مناطق الاحتكاك تعقيداً بين المواطن والإدارة.

واللافت أن التقرير لا يتحدث عن خلافات قانونية حول مضمون الأحكام، وإنما عن أحكام نهائية اكتسبت قوة التنفيذ، يفترض أن تكون قد أنهت النزاع نهائياً، لكنها تجد نفسها عالقة داخل دهاليز المراسلات الإدارية، والاعتمادات المالية، والمساطر الداخلية، والتأويلات القانونية.

بمعنى آخر، يصبح الحكم القضائي بداية مسار إداري جديد، لا خاتمة لمسار قضائي.

حين يصطدم الدستور بالواقع

دستور المملكة يبدو واضحاً في هذا الباب.

فالفصل 124 ينص على أن الأحكام تصدر وتنفذ باسم الملك وطبقاً للقانون، بينما يقرر الفصل 126 أن الأحكام النهائية ملزمة للجميع، وأن السلطات العمومية مطالبة بالمساعدة على تنفيذها.

لكن التقرير يطرح سؤالاً مقلقاً: ماذا يحدث عندما تصبح الجهة المكلفة بتنفيذ الحكم هي نفسها الجهة التي تؤخره؟

هنا يظهر تناقض عميق داخل الدولة الحديثة. فالقضاء يمارس سلطته الدستورية ويصدر حكماً نهائياً، ثم تأتي الإدارة لتبطئ التنفيذ أو تؤجله أو تنفذه بصورة جزئية، وكأنها تمنح نفسها، عملياً، سلطة مراجعة زمن تنفيذ ما حسمه القضاء.

وليس المقصود هنا رفضاً مباشراً للأحكام، لأن ذلك سيكون خرقاً واضحاً للقانون، وإنما ما هو أكثر تعقيداً: استعمال الزمن والإجراءات والبيروقراطية باعتبارها أدوات لإفراغ الحكم من أثره العملي.

337 ملفاً… لكن الرقم لا يحكي القصة كاملة

خلال سنة 2025، سجلت مؤسسة وسيط المملكة 337 ملفاً يتعلق بعدم تنفيذ الأحكام القضائية.

قد يبدو الرقم محدوداً مقارنة بما مجموعه 6770 تظلماً توصلت بها المؤسسة، لكن القيمة الحقيقية لهذه الملفات لا تقاس بعددها.

فكل ملف منها يمثل مواطناً انتصر أمام القضاء، ثم وجد نفسه يخوض معركة ثانية لاسترجاع الحق نفسه.

أي أن النزاع لم يعد بين شخص وإدارة، بل بين منطقين للدولة:

  • منطق القضاء الذي يعتبر الحكم نهاية الخصومة.

  • ومنطق بعض الإدارات التي تتعامل مع التنفيذ باعتباره خياراً يخضع لأولوياتها الإدارية والمالية.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

الميزانية أم الحقوق؟

من أبرز ما كشفه التقرير استمرار استناد بعض الإدارات إلى المادة التاسعة من قانون المالية لتبرير تأجيل أداء التعويضات المحكوم بها.

صحيح أن هذه المادة تنظم كيفية تنفيذ الأحكام المالية ضد الدولة والجماعات الترابية ومؤسساتها، لكنها لم تُشرّع يوماً لتحويل الحكم القضائي إلى توصية اختيارية.

بل إن الفلسفة التي تقوم عليها المادة نفسها هي ضمان التنفيذ من خلال البرمجة المالية، لا تعطيله بسبب غيابها.

غير أن الواقع، كما يرصد التقرير، يكشف أن بعض الإدارات تتعامل مع غياب الاعتمادات باعتباره مبرراً دائماً للتأجيل، دون أن تبادر إلى إدراج المبالغ المستحقة في الميزانيات اللاحقة أو اقتراح حلول انتقالية تحفظ حقوق أصحابها.

وهنا يبرز سؤال في غاية الحساسية:

إذا كانت الإدارة تعلم مسبقاً بوجود حكم نهائي ضدها، فلماذا لا تُبرمج الاعتمادات اللازمة لتنفيذه داخل ميزانيتها المقبلة؟

ومن يتحمل مسؤولية الكلفة الإضافية الناتجة عن التأخير، من فوائد وتعويضات ومصاريف قضائية جديدة تؤدى في النهاية من المال العام؟

التنفيذ الجزئي… حين يُنفذ الحكم ويُفرغ من مضمونه

التقرير يكشف شكلاً آخر أكثر تعقيداً من أشكال التعطيل.

فبعض الإدارات لا ترفض التنفيذ، لكنها تنفذه جزئياً.

تطبق منطوق الحكم حرفياً، لكنها تمتنع عن ترتيب جميع آثاره القانونية أو الإدارية أو المالية، ليجد المواطن نفسه مضطراً إلى رفع دعوى جديدة من أجل المطالبة بحقوق سبق أن حسم فيها القضاء.

وهنا تتحول العدالة إلى سلسلة لا تنتهي من الإجراءات.

بدلاً من أن يغلق الحكم ملف النزاع، يصبح بداية ملفات جديدة، فتزداد كلفة التقاضي، ويزداد الضغط على المحاكم، وتتراكم القضايا التي كان يفترض أن تكون قد انتهت.

إنها مفارقة تؤدي عملياً إلى استنزاف المواطن والقضاء معاً.

الطعن… أداة قانونية أم وسيلة لكسب الوقت؟

التقرير توقف أيضاً عند ظاهرة أخرى تتمثل في لجوء بعض الإدارات إلى الطعن في الأحكام، حتى عندما لا يكون هذا الطعن موقفاً للتنفيذ قانوناً.

من حيث المبدأ، الطعن حق قانوني تكفله التشريعات.

لكن عندما يتحول إلى وسيلة لتأجيل تنفيذ حكم واجب النفاذ، فإنه يثير سؤالاً حول حدود استعمال الحقوق الإجرائية، وحول التوازن بين حق الإدارة في التقاضي وحق المواطن في تنفيذ حكم نهائي.

فالعدالة لا تتحقق فقط بإتاحة وسائل الطعن، بل أيضاً بمنع استخدامها بما يؤدي إلى تعطيل الحقوق التي استقرت بحكم القضاء.

بيروقراطية التفاصيل الصغيرة

ولأن التعطيل لا يكون دائماً عبر القرارات الكبرى، فقد كشف التقرير عن تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تتحول إلى عقبات حقيقية.

من ذلك مطالبة بعض الإدارات المواطنين بأصل النسخة التنفيذية للحكم، رغم وجودها أصلاً داخل ملف التنفيذ بالمحكمة.

شكلياً، يبدو الأمر إجراءً إدارياً عادياً.

لكن عملياً، يتحول إلى تأخير جديد، وربما إلى أشهر إضافية من الانتظار، فقط لأن الإدارة اختارت أن تجعل من وثيقة موجودة أصلاً شرطاً جديداً لاستكمال المسطرة.

وهنا تظهر البيروقراطية في أكثر صورها قسوة: تحويل الإجراءات إلى غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لخدمة الحقوق.

نزع الملكية… عندما تنتقل الأرض ويبقى التعويض معلقاً

من أخطر ما أورده التقرير أيضاً ما يتعلق بملفات نزع الملكية.

فقد سجل حالات انتقلت فيها ملكية العقار إلى الإدارة وسُجلت بالمحافظة العقارية، بينما ظل التعويض الذي حكمت به المحكمة معلقاً، لم يُصرف لصاحبه ولم يُودع لدى صندوق الإيداع والتدبير.

وهنا يصبح المواطن أمام معادلة غير متوازنة:

الدولة أصبحت مالكة للعقار وقادرة على التصرف فيه، بينما المالك السابق لا يزال ينتظر المقابل المالي الذي قرره القضاء.

وهذه الوضعية لا تمس فقط بحق الملكية، بل تمس أيضاً مبدأ الأمن القانوني، لأن انتقال الملكية دون انتقال التعويض يخلق اختلالاً في التوازن الذي تقوم عليه فكرة نزع الملكية نفسها باعتبارها استثناءً مقيداً بضمانات دستورية.

ولهذا اقترحت مؤسسة وسيط المملكة إلزام الإدارات بأداء التعويض أو إيداعه قبل استكمال نقل الملكية، حتى لا يتحول الاستثناء القانوني إلى مصدر جديد للضرر.

815 يوماً… عندما يصبح الزمن نفسه عقوبة

بعيداً عن تنفيذ الأحكام، يكشف التقرير مؤشراً أكثر دلالة.

فمتوسط تنفيذ توصيات مؤسسة وسيط المملكة بلغ خلال سنة 2025 نحو 815 يوماً، بعدما كان 672 يوماً سنة 2024.

أي أن المواطن قد ينتظر أكثر من سنتين حتى يرى أثراً عملياً لتوصية مؤسسة دستورية.

ورغم تراجع عدد التوصيات العالقة إلى 557 توصية، بعد أن كانت 640 سنة 2024 و845 سنة 2023، فإن ارتفاع متوسط مدة التنفيذ يثير سؤالاً حول نجاعة الاستجابة، لا حول عدد الملفات فقط.

فالعدالة، كما تقاس بجودة الأحكام، تقاس أيضاً بسرعة تنفيذها.

لأن الحق الذي يصل متأخراً كثيراً قد يفقد جزءاً كبيراً من قيمته.

حين تصبح الثقة هي الضحية الأولى

المشكلة الحقيقية لا تتوقف عند التعويضات المالية أو الملفات الإدارية.

الخطر الأكبر يتمثل في تآكل الثقة.

فالمواطن الذي يربح القضية ثم يعجز عن تنفيذ الحكم، لا يشعر فقط بأن حقه تأخر، بل يبدأ بالتساؤل عن معنى اللجوء إلى القضاء إذا كانت النتيجة النهائية لا تغير واقعه.

وحين يصبح تنفيذ الأحكام رهيناً بالإرادة الإدارية أكثر من إلزامية النصوص، تتعرض إحدى أهم ركائز دولة القانون للاهتزاز.

فالسلطة القضائية لا تستمد قوتها من إصدار الأحكام فقط، وإنما من احترام الجميع لها، وفي مقدمتهم الإدارة العمومية.

الدولة التي تُقاس بتنفيذ أحكامها

في نهاية المطاف، لا يكشف تقرير وسيط المملكة مجرد اختلالات إدارية متفرقة، بل يفتح نقاشاً أعمق حول العلاقة بين السلط داخل الدولة، وحدود مسؤولية الإدارة، ومعنى سمو القانون في الحياة اليومية.

فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد المحاكم التي تبنيها، ولا بعدد الأحكام التي تصدرها، بل بقدرتها على تحويل تلك الأحكام إلى واقع ملموس يشعر به المواطن.

وعندما يصبح المتقاضي مضطراً إلى ربح القضية مرتين؛ مرة أمام القاضي، ومرة أمام الإدارة، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بحق فردي ضائع، بل بمستقبل الثقة في المؤسسات، وبمدى قدرة دولة القانون على أن تجعل من أحكام القضاء نهايةً للنزاع، لا بدايةً لمعركة جديدة.