بينما تتباهى المؤسسات الرسمية بتزايد عدد الخدمات العمومية المرقمنة، وتتحدث الأرقام عن مئات الخدمات الإلكترونية، يظل المواطن المغربي يعيش مفارقة تكاد تكون عبثية؛ إذ يكتشف، في كل مرة يقصد فيها الإدارة، أن التكنولوجيا لم تُلغِ البيروقراطية، بل اكتفت بتغيير شكلها. فالمشكل لم يعد في غياب المنصات الرقمية، وإنما في أن فلسفة الإدارة نفسها بقيت أسيرة منطق قديم يعتبر المواطن مطالباً بإثبات كل شيء، حتى وإن كانت الدولة نفسها تملك تلك المعطيات داخل قواعد بياناتها.
الأكاديمي والباحث سليمان العمراني يلفت الانتباه إلى أن المغرب رقمن، إلى حدود نهاية سنة 2024، ما مجموعه 766 خدمة عمومية، غير أن الخدمات الناضجة رقمياً لا تتجاوز حوالي 23 في المائة، كما أن الإقبال على استعمالها ما يزال محدوداً بسبب فجوات تقنية وثقافية ومؤسساتية، داعياً إلى الانتقال من مجرد إنتاج الخدمات الرقمية إلى قياس أثرها الحقيقي في حياة المواطنين وبناء ما سماه “المواطنة الرقمية”. وهي ملاحظات تضع الإصبع على جزء من المشكلة، لكنها تفتح الباب أيضاً أمام سؤال أكثر عمقاً: هل يكفي قياس الأثر إذا كانت القاعدة الإدارية نفسها لم تتغير؟
فالرقمنة، في جوهرها، ليست إنشاء موقع إلكتروني أو تطبيق للهاتف، وإنما إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمواطن. أما عندما يبقى المواطن مطالباً بإحضار النسخة نفسها من الوثيقة، والتوقيع نفسه، والختم نفسه، وشهادة السكنى نفسها، فإن ما يحدث ليس تحولاً رقمياً، بل مجرد نقل للإجراءات الورقية إلى واجهة إلكترونية.
ولعل أكثر الصور إيلاماً تكمن في قصة تتكرر كل يوم داخل آلاف الأسر المغربية. ابن اختار، بدافع البر والإحسان، ألا يضع أمه الأرملة في دار للمسنين، بل فضّل أن تبقى في بيتها، وسط أحفادها، يحيط بها دفء الأسرة وذكريات الزوج الراحل. قرار إنساني وأخلاقي قبل أن يكون اجتماعياً، لكنه يتحول، عند أول احتكاك بالإدارة، إلى بداية معاناة لا تنتهي.
فعندما يبلغ أحد الأبناء أو الأحفاد سن استخراج البطاقة الوطنية، تبدأ رحلة إثبات السكن. ورغم أن الجميع يعيشون فعلياً تحت سقف واحد، ورغم أن الجدة هي صاحبة المنزل، فإن الإدارة تطالب بإشهاد منها، ثم بصورة من فاتورة الكهرباء أو الماء، ثم بشهادة السكنى، ثم بتوقيع عون السلطة، ثم بتوقيع مكتب الشهادات، ثم بالختم، وربما بطلب وثائق إضافية تختلف من إدارة إلى أخرى.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة؛ فالدولة التي تمتلك السجل الوطني للسكان، والسجل الاجتماعي، ومعطيات الحالة المدنية، وربما بيانات الضرائب والكهرباء والاتصالات، تعجز عن التأكد إلكترونياً من عنوان مواطن، وتعيده إلى نقطة الصفر ليجمع وثائق تعرفها هي أصلاً.
إنها ليست مشكلة تقنية، بل أزمة ثقة. فالإدارة لا تزال تتعامل مع المواطن بمنطق الشك لا بمنطق الثقة، وكأن الأصل هو احتمال التزوير لا صحة المعطيات. لذلك تستمر الوثيقة الورقية في فرض سلطتها، ويظل الختم أقوى من قاعدة البيانات، ويظل توقيع عون السلطة أكثر تأثيراً من ملايين المعلومات المخزنة داخل الأنظمة المعلوماتية.
لهذا تبدو دعوة العمراني إلى اعتماد منهجية “قياس الأثر” في محلها، لكنها لا تكفي وحدها. لأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد الخدمات الرقمية التي أطلقتها الإدارة، وإنما بعدد الساعات التي وفرتها للمواطن، وعدد التنقلات التي ألغتها، وعدد الوثائق التي استغنت عنها، وعدد الطوابير التي اختفت، وعدد المواطنين الذين عادوا إلى بيوتهم دون أن يسمعوا عبارة: “ارجع غداً”.
فالنجاح الرقمي لا يُقاس بعدد التطبيقات، وإنما بعدد المعاناة التي اختفت.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يعني أن تعلن الإدارة عن خدمة رقمية، بينما لا يزال المواطن مضطراً للحضور شخصياً من أجل التوقيع؟ وما جدوى منصة إلكترونية إذا كانت تشترط رفع نسخة ممسوحة ضوئياً لوثيقة سبق أن أصدرتها الدولة نفسها؟ وكيف يمكن الحديث عن “المواطنة الرقمية” بينما يشعر المواطن أن الإدارة لا تصدقه إلا إذا حمل بين يديه ورقة مختومة؟
إن التجارب الدولية التي نجحت في هذا المجال لم تبدأ بالحاسوب، بل بدأت بإلغاء الإجراءات غير الضرورية. فالرقمنة الحقيقية تقوم على مبدأ بسيط: لا يجوز أن تطلب الإدارة من المواطن معلومة تملكها إدارة أخرى داخل الدولة. وهذا المبدأ هو الذي اختصر الزمن، وخفض الكلفة، ورفع الثقة، وحول الإدارة إلى خدمة لا إلى عبء.
أما في المغرب، فما يزال جزء كبير من التحول الرقمي يدور داخل الحلقة نفسها؛ تغيير الواجهة مع الإبقاء على العقلية. ولهذا يشعر كثير من المواطنين بأنهم يعيشون داخل إدارة رقمية بملامح إلكترونية، لكنها بقلب بيروقراطي قديم.
إن المعضلة لم تعد في الأمية الرقمية وحدها، كما تشير بعض الدراسات، بل في “الأمية المؤسساتية” تجاه مفهوم الرقمنة ذاته. فالإدارة التي تكتفي برقمنة الاستمارة دون مراجعة الحاجة إليها، تشبه من يستبدل الآلة الكاتبة بحاسوب حديث، لكنه يواصل كتابة التعليمات القديمة بالحرف نفسه.
وربما تكمن الرسالة الأعمق في هذه المفارقة الاجتماعية المؤلمة. فالدولة تدعو إلى التماسك الأسري، وإلى رعاية الوالدين داخل الأسرة، بينما يجد الابن الذي اختار البقاء إلى جانب أمه نفسه معاقَباً إدارياً بسلسلة لا تنتهي من الإثباتات والوثائق. وكأن النظام الإداري يكافئ من يبتعد، ويثقل كاهل من اختار البر.
إن رقمنة الخدمات العمومية لن تحقق أهدافها ما لم تتحول من مشروع معلوماتي إلى مشروع حضاري يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. فالمطلوب ليس فقط رقمنة المساطر، بل تحريرها من إرث إداري يعود إلى عقود مضت، حين كانت الوثيقة الورقية هي المصدر الوحيد للحقيقة.
أما اليوم، وبعد أن تجاوز عدد المغاربة 40 مليون نسمة، لم يعد مقبولاً أن تبقى حياة الملايين محكومة بمنطق إداري وُلد في زمن لم تكن فيه قواعد البيانات، ولا الهوية الرقمية، ولا الربط البيني بين الإدارات. فالدولة الرقمية لا تُبنى بالحواسيب وحدها، وإنما ببناء الثقة، وبالجرأة على إلغاء كل إجراء لم يعد له معنى.
وعندما يصل المواطن إلى اليوم الذي يستخرج فيه وثائقه، ويغير عنوانه، ويسجل أبناءه، ويقضي مصالحه كلها من دون أن يحمل ملفاً ورقياً، أو يبحث عن توقيع عون سلطة، أو ينتظر ختماً من مكتب الشهادات، عندها فقط يمكن القول إن المغرب دخل فعلاً عصر الإدارة الرقمية. أما قبل ذلك، فإن ما يتغير هو شكل الشاشة، بينما يبقى جوهر المعاناة كما هو.