سبتة كشفت المستور: حين غابت الدولة عن الشباب… غابت الرياضة ودور الشباب، وتعطّل المجلس الاستشاري

0
98

حين اندفعت آلاف الوجوه الشابة نحو سبتة المحتلة، انشغل كثيرون بالسؤال: كيف انتشرت الدعوات الرقمية؟ ومن يقف وراءها؟ وكيف تحرك هذا العدد الكبير في وقت قصير؟ لكن هذه الأسئلة، على أهميتها، بقيت تدور حول اللحظة التي انفجرت فيها الأزمة، لا حول السنوات التي صنعتها. فسبتة لم تكن بداية القصة، بل كانت نهايتها المؤقتة. أما البداية الحقيقية، فقد تعود إلى سنوات تراجع فيها حضور المؤسسات التي كانت تؤطر الشباب، وتستوعب طاقاتهم، وتمنحهم الإحساس بالانتماء، قبل أن تتركهم فرادى أمام شاشة الهاتف، حيث أصبحت الخوارزميات أكثر تأثيرًا من الأسرة، والجمعية، والمدرسة، والنادي الرياضي.

لقد أعادت هذه الأحداث إلى الواجهة مطلب الإسراع بتفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، وهي المؤسسة التي نص عليها الفصل 33 من الدستور، وصدر قانونها التنظيمي سنة 2018، لكنها ظلت معلقة دون أن ترى النور. وبدت الدعوات هذه المرة وكأنها اعتراف ضمني بأن الدولة تحتاج إلى مؤسسة قادرة على فهم التحولات العميقة التي يعيشها الشباب، وصياغة مقترحات وسياسات تستبق الأزمات بدل الاكتفاء بالتفاعل معها بعد وقوعها.

غير أن السؤال الذي تفرضه الوقائع أكبر من مجرد إخراج مؤسسة دستورية إلى الوجود. فلو تم إحداث المجلس غدًا، هل سيكون ذلك كافيًا لمنع تكرار مشاهد سبتة؟ وهل يكفي إنتاج التقارير والتوصيات إذا كانت المؤسسات التي تحتضن الشباب في الواقع تعرف بدورها تراجعًا مستمرًا؟

إن المشكلة لا تكمن في غياب التشخيص. فالمغرب لم يعش يومًا نقصًا في الدراسات أو التقارير التي تحدثت عن البطالة، والهشاشة، والصحة النفسية، وضعف المشاركة المدنية، وتراجع الثقة في المؤسسات، وارتفاع الإحساس بانسداد الأفق. مؤسسات دستورية وهيئات وطنية وخبراء دقوا ناقوس الخطر منذ سنوات. لكن ما وقع هو أن المعرفة لم تتحول إلى سياسة عمومية متكاملة، وأن التشخيص بقي في كثير من الأحيان منفصلًا عن التنفيذ.

ولذلك فإن أحداث سبتة ينبغي ألا تُقرأ فقط باعتبارها نتيجة لحملة رقمية أو لظرف اقتصادي صعب، بل باعتبارها نتيجة تراكم طويل لفراغ مؤسساتي أصاب فضاءات التنشئة والاحتضان. فالشائعة الرقمية لا تخلق الأزمة من العدم، وإنما تبحث عن بيئة مهيأة لتصديقها. وعندما يشعر آلاف الشباب بأن المستقبل يبتعد عنهم، تصبح أي رسالة تمنحهم أملاً، ولو كان وهميًا، قادرة على تعبئتهم في ساعات قليلة.

لكن أخطر ما كشفت عنه هذه الأزمة هو الغائب الأكبر في النقاش العمومي: الرياضة.

فالحديث عن الشباب لا يمكن أن يظل محصورًا في التشغيل والتعليم فقط، لأن الرياضة ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل إحدى أهم أدوات الإدماج الاجتماعي وصناعة الانتماء. الدول التي نجحت في حماية شبابها لم تفعل ذلك بالمراقبة وحدها، وإنما ببناء شبكة واسعة من الأندية والجمعيات والقاعات الرياضية، حيث يجد الطفل والمراهق فضاءً للتربية والانضباط والثقة بالنفس قبل أن يجد بطولة أو ميدالية.

في المغرب، لا تزال الرياضة، في قطاعات عديدة، تعيش مفارقة مؤلمة. فبدل أن تكون مشروعًا مجتمعيًا واسعًا، أصبحت في حالات كثيرة أسيرة صراعات انتخابية، وحسابات ضيقة، واختلالات في الحكامة، وهيمنة منطق المحسوبية والزبونية على حساب توسيع قاعدة الممارسة. والنتيجة أن عشرات الجامعات الرياضية، بمختلف تخصصاتها، لا تستقطب سوى قاعدة محدودة من الممارسين، في وقت تُظهر فيه تجارب دول أخرى أن جامعة رياضية واحدة قد تضم مئات الآلاف، بل ملايين المنخرطين، لأنها تنظر إلى الرياضة باعتبارها استثمارًا في الإنسان، لا مجرد إدارة للمنافسات.

وليس المقصود هنا التقليل من الجهود التي يبذلها كثير من الأطر والمدربين والجمعيات، وإنما الإشارة إلى أن النموذج السائد ما زال يركز على تدبير الجامعات أكثر مما يركز على توسيع الممارسة. فنجاح أي جامعة لا يقاس بعدد البلاغات التي تصدرها، ولا بعدد الاجتماعات التي تعقدها، وإنما بعدد الأطفال الذين يدخلون قاعات التدريب كل مساء، وعدد الأسر التي تجد في الرياضة ملاذًا لأبنائها.

وتبرز هذه المفارقة بوضوح في الرياضات القتالية الحديثة، مثل الجوجيتسو البرازيلية، وفنون القتال المختلطة، والكيك بوكسينغ، والمواي تاي، وهي رياضات تشهد توسعًا عالميًا لأنها لا تكتفي بصناعة الأبطال، بل تساهم في احتضان فئات واسعة من الشباب، وغرس قيم الانضباط والاحترام والعمل الجماعي. غير أن هذه الإمكانات لا تُستثمر دائمًا بالقدر الكافي عندما تطغى الإكراهات التنظيمية، والصراعات الإدارية، وضعف الحكامة، على منطق نشر الممارسة الرياضية.

ومن هنا يصبح السؤال مختلفًا: كم طفلًا كان يمكن أن يكون اليوم داخل قاعة رياضية لو كانت هذه الفضاءات أكثر انتشارًا وانفتاحًا؟ وكم شابًا كان سيجد في نادٍ رياضي أو جمعية فرصة لاكتشاف ذاته بدل البحث عن مستقبل مجهول خلف الحدود؟

ولا تقل الصورة قتامة إذا انتقلنا إلى دور الشباب والعمل الجمعوي. فقد كانت هذه المؤسسات، لعقود، المدرسة الثانية للمواطنة. كانت فضاءات يلتقي فيها الأطفال والشباب بالمسرح، والموسيقى، والرياضة، والكشفية، والعمل التطوعي. هناك كانوا يتعلمون الحوار، والانضباط، والعمل الجماعي، والانتماء إلى الحي والمدينة والوطن.

أما اليوم، فقد فقد كثير من هذه الفضاءات بريقه ودوره، وبعضها أصبح مغلقًا أو محدود النشاط، بينما انتقل الشباب إلى فضاء رقمي مفتوح لا يعترف بالحدود ولا بالرقابة ولا بالتأطير. لقد تغيرت أدوات التنشئة، لكن السياسات العمومية لم تتغير بالسرعة نفسها.

وهنا تتضح حدود الرهان على المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي وحده. فالمجلس، إذا خرج إلى الوجود، سيكون إضافة مؤسساتية مهمة، لأنه قد يوفر المعرفة، ويقترح البدائل، ويقيس أثر السياسات العمومية. لكنه لن يستطيع، بمفرده، أن يعوض غياب الملاعب، أو إغلاق دور الشباب، أو ضعف الجمعيات، أو محدودية العرض الرياضي والثقافي. فالتوصيات لا تحتضن طفلًا، والتقارير لا تمنح مراهقًا شعورًا بالانتماء، والاجتماعات لا تصنع مواطنًا.

إن ما يحتاجه المغرب اليوم ليس فقط مؤسسة جديدة، بل إعادة بناء منظومة كاملة تجعل الشباب في قلب السياسات العمومية، لا في هامشها. منظومة تعتبر الرياضة، والثقافة، والعمل الجمعوي، والتأطير المدني، استثمارًا في الأمن المجتمعي قبل أن تكون قطاعات منفصلة. لأن كل طفل يدخل ملعبًا أو قاعة رياضية أو دار شباب هو، في الحقيقة، طفل يبتعد خطوة عن الشارع، وعن الإحباط، وعن كل دعوة قد تقوده إلى المجهول.

لقد كانت سبتة جرس إنذار، لكنها لم تكن سبب الأزمة. السبب الحقيقي يكمن في المسافة التي اتسعت بين الشباب ومؤسسات الاحتضان. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش العمومي ليس: كيف وصل هؤلاء الشباب إلى الحدود؟ بل: أين كانت المدرسة، والجمعية، ودار الشباب، والنادي الرياضي، قبل أن يصلوا إليها؟

فالدول لا تحمي حدودها بالأسلاك وحدها، ولا بالمراقبة وحدها، ولا بالقوانين وحدها. إنها تحميها أولًا عندما تمنح أبناءها أسبابًا كافية ليؤمنوا أن مستقبلهم يبدأ من داخل الوطن، لا من خارجه. وعندما يصبح لكل طفل مكان يتعلم فيه، ويتدرب فيه، ويحلم فيه، فإن أقوى حاجز أمام الهجرة اليائسة لن يكون السور الحدودي، بل الشعور بالانتماء والأمل.

إذا رغبت، أستطيع أيضًا أريد إعداد نسخة أكثر جرأة وعمقًا تربط بين أحداث سبتة وتعثر المجلس الاستشاري للشباب وأزمة الحكامة في الرياضة والعمل الجمعوي، تربط بين أحداث سبتة، وتعثر المجلس الاستشاري للشباب، وأزمة الحكامة في الرياضة والعمل الجمعوي، باعتبارها جميعًا أعراضًا لاختلال واحد في فلسفة السياسات العمومية تجاه الشباب، وهي صيغة أقرب إلى الافتتاحيات الكبرى في الصحافة التحليلية.