لقجع و«الصدق والمعقول» في سوس ماسة… حين يتحول شعار انتخابي إلى امتحان في حساب الأولويات

0
115

لم يكن حضور فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في أول نشاط حزبي له بجهة سوس ماسة مجرد تفصيل تنظيمي عابر في أجندة حزب الأصالة والمعاصرة. فالرجل الذي دخل المكتب السياسي للحزب في لحظة انتخابية دقيقة، وجد نفسه في قلب مشهد سياسي اختار له «البام» عنواناً يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه ثقيل في دلالته: الصدق والمعقول.

فالانتخابات، في النهاية، لا تُخاض بالكلمات وحدها، وإنما بقدرة أصحابها على إقناع المواطن بأن ما يُقال في القاعات يمكن أن يتحول إلى شيء ملموس خارجها. وحين يصبح «الصدق» شعاراً، فإن أول ما يفعله الناخب هو أن يسأل: الصدق في ماذا؟ وحين يصبح «المعقول» عنواناً، فإن السؤال يصبح أكثر إزعاجاً: ما هو المعقول في بلد تتسع فيه المطالب الاجتماعية، وتتعاظم فيه كلفة المشاريع الكبرى، ويظل المواطن مطالباً في الوقت نفسه بأداء الضرائب وتحمل ارتفاع كلفة الحياة وانتظار تحسين الخدمات الأساسية؟

من هنا تحديداً تبدأ القراءة الحقيقية للقاء سوس ماسة.

فـ«البام» لم يختر في هذه المرحلة خطاباً صدامياً، ولم يرفع سقف الوعود إلى مستويات يستحيل قياسها. اختار بدلاً من ذلك مفردات الثقة والقرب والإنصات والصدق والمعقول، وكأنه يدرك أن واحدة من أكبر أزمات السياسة المغربية لم تعد أزمة البرامج فقط، وإنما أزمة المسافة بين الخطاب السياسي والتجربة اليومية للمواطن.

وهذه المسافة هي التي ينبغي أن تُقرأ من بين السطور.

لأن المواطن لا يعيش داخل قانون المالية، ولا يرى أرقام الاستثمار العمومي كما تظهر في الجداول الحكومية، ولا يتعامل مع الميزانيات بوصفها مجرد اعتمادات وأبواب محاسباتية. المواطن يرى مدرسة قريبة أو بعيدة، مستشفى يستطيع أو لا يستطيع الولوج إليه، ماءً يصل إلى بيته أو ينقطع، فرصة عمل حصل عليها أو لم يحصل عليها، وطريقاً ومواصلات وأسعاراً وكرامة اجتماعية. لذلك فإن «المعقول» بالنسبة إليه ليس مفهوماً نظرياً؛ إنه حصيلة يومية قابلة للقياس.

وهنا يصبح دخول لقجع إلى «البام» أكثر من مجرد استقطاب شخصية وازنة. فهو يأتي إلى الحزب حاملاً معه تجربتين شديدتي الحساسية في وعي المغاربة: الميزانية والرياضة. ومن هذه الزاوية بالذات، يصبح حضوره السياسي قابلاً لطرح سؤال لا يمكن تفاديه: كيف ستُترجم خبرته في تدبير المال العام إلى تصور سياسي لترتيب الأولويات الاجتماعية والاقتصادية؟

ذلك أن لقجع لا يدخل السياسة من موقع سياسي تقليدي فقط، بل يدخلها وهو وزير منتدب مكلف بالميزانية، وفي الوقت نفسه رئيس للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. وهذه الثنائية تمنح حضوره قوة رمزية، لكنها تضعه أيضاً أمام مسؤولية أكبر في تفسير العلاقة بين الاستثمار والنتائج، وبين الإنفاق العمومي والأثر الاجتماعي.

وهنا يجب أن نكون دقيقين.

ليس صحيحاً، من الناحية المالية، اختزال كل الأموال التي استثمرت في كرة القدم والملاعب في عبارة «أموال الضرائب التي كان يمكن أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات». فالميزانية العمومية تتكون من أبواب واعتمادات ومصادر تمويل مختلفة، والاستثمار في البنيات الرياضية يمكن أن تكون له أيضاً آثار اقتصادية وسياحية وتشغيلية وبنيوية. كما أن ميزانية البطولة الاحترافية نفسها، التي أُعلن في يوليوز أنها تبلغ 965 مليون درهم، ليست هي مجموع ما أنفقه المغرب على كرة القدم أو الملاعب أو الاستحقاقات الرياضية الكبرى.

لكن تصحيح هذا الاختزال لا يلغي السؤال؛ بل يجعله أكثر قوة.

السؤال الحقيقي ليس: لماذا أنفق المغرب على كرة القدم؟

السؤال هو: هل كان الإنفاق على كرة القدم جزءاً من ترتيب وطني واضح للأولويات، وهل يستطيع المسؤولون أن يقدموا للمغاربة حساباً دقيقاً للعائد الاقتصادي والاجتماعي والتنموي لهذه الاستثمارات؟

هنا تحديداً يصبح شعار «الصدق والمعقول» امتحاناً، وليس مجرد عبارة انتخابية.

فالمغاربة يستطيعون أن يفرحوا بانتصارات المنتخب، وأن يفتخروا بالملاعب والبنيات الرياضية، وأن يعتبروا كرة القدم قوة ناعمة للمغرب ورافعة للإشعاع الدولي. كل ذلك صحيح. لكن المواطن نفسه يستطيع، في اللحظة ذاتها، أن يسأل عن المدرسة التي لا تزال تحتاج إلى التجهيز، وعن المستشفى الذي يحتاج إلى الموارد البشرية، وعن القرى التي تنتظر الماء، وعن الفلاح الذي أصبح الماء بالنسبة إليه شرطاً للاستمرار في الإنتاج، وعن الشاب الذي لا يرى أمامه طريقاً واضحاً نحو العمل والاستقرار.

وهذا ليس رفضاً لكرة القدم.

إنه رفض لفكرة أن النجاح في مجال واحد يمكن أن يعفي الدولة من مساءلة نفسها عن المجالات الأخرى.

والأكثر دلالة أن سوس ماسة نفسها ليست جهة يمكن مخاطبتها بخطاب عام حول التنمية دون الدخول في التفاصيل. فهي جهة يرتبط مستقبلها بأسئلة الماء والفلاحة والسياحة والصناعة والتشغيل، وفي الوقت نفسه تواجه ضغوطاً متزايدة على مواردها الطبيعية. وقد أصبحت تحلية مياه البحر وتحديث الري والاقتصاد في استعمال المياه جزءاً من معادلة استمرار النشاط الفلاحي في المنطقة.

وهنا تظهر مفارقة سياسية شديدة الدلالة.

إذا كان «المعقول» هو الشعار، فإن المعقول في سوس ماسة لا يمكن أن ينفصل عن الماء. وإذا كان «الصدق» هو العنوان، فإن الصدق مع الفلاح يعني الحديث معه عن كلفة الماء واستدامة الإنتاج ومستقبل الأرض، لا الاكتفاء بالحديث عن مؤشرات النمو والتصدير.

والفلاحة ليست قضية قطاعية ضيقة. إنها جزء من الأمن الغذائي المغربي.

والماء ليس مجرد ملف تقني. إنه جزء من الأمن الوطني.

والمدرسة ليست مجرد مرفق عمومي. إنها الاستثمار الحقيقي في الجيل الذي سيحكم على نتائج كل هذه السياسات بعد عشرين سنة.

والمستشفى ليس مجرد بناية. إنه المكان الذي يختبر فيه المواطن، في أكثر لحظاته هشاشة، معنى الدولة.

من هنا فإن الاختبار السياسي المقبل لن يكون في قدرة «البام» على جمع أسماء وازنة فقط، وإنما في قدرته على الإجابة عن سؤال بسيط وصعب في آن واحد: إذا كان الحزب يتحدث عن الصدق والمعقول، فكيف سيحدد أولويات المغرب عندما تتعارض الحاجات وتتزاحم المشاريع؟

فالدولة التي تريد أن تكون قوة رياضية عالمية تحتاج أيضاً إلى مدرسة قوية ومستشفى قوي واقتصاد منتج وأمن مائي وغذائي. ولا ينبغي وضع هذه القطاعات في مواجهة بعضها البعض، بل المطلوب هو أن يكون هناك عقل سياسي ومالي قادر على بناء التوازن بينها.

وهنا بالذات يمكن فهم الدلالة السياسية لإدخال لقجع إلى المكتب السياسي.

فـ«البام» لا يستقطب فقط رئيس جامعة كرة القدم؛ إنه يستقطب شخصية ارتبط اسمها بتدبير المال والرياضة معاً. ولذلك فإن الحزب يضع نفسه، من خلال هذا الاختيار، أمام امتحان مضاعف: امتحان القدرة على إدارة الدولة، وامتحان القدرة على شرح خيارات الدولة للمواطن.

وهذه النقطة بالذات قد تكون أهم من كل الشعارات الانتخابية.

لأن المواطن لا يريد فقط من يقول له إن هناك إنجازات. يريد أن يعرف كم كلفته هذه الإنجازات، وما العائد منها، ومن استفاد منها، وما الذي تأخر بسببها، وكيف ستُموَّل المرحلة المقبلة.

وهذا هو معنى الشفافية الحقيقية في السياسة.

أما أن تتحول الأرقام إلى مادة دعائية، والمشاريع إلى صور انتخابية، والنجاحات الرياضية إلى غطاء عام، فذلك لا يحقق «الصدق» الذي يتحدث عنه الحزب، بل يعيد إنتاج الفجوة نفسها بين المواطن والسياسة.

واللافت أن الحزب نفسه أدرك، في أعقاب أحداث الهجرة الأخيرة نحو سبتة، أن القضية ليست أمنية فقط. فقد تحدثت منظمة شباب «البام» صراحة عن فقدان بعض الشباب الثقة في إمكانات الاندماج وتحقيق الذات داخل الوطن، وعن محدودية الفرص، ودعت إلى تحويل الإنصات إلى سياسات عمومية ومبادرات عملية وملموسة.

وهنا تلتقي سبتة مع سوس ماسة في نقطة واحدة: الثقة.

الشاب الذي يفكر في الهجرة لا يطلب بالضرورة خطاباً سياسياً أكثر بلاغة؛ إنه يبحث عن مستقبل يمكن تصديقه.

والفلاح الذي يخشى على أرضه لا يريد فقط برنامجاً انتخابياً؛ يريد ماءً يمكن الاعتماد عليه.

والأسرة التي ترسل أبناءها إلى المدرسة لا تريد فقط إصلاحاً معلناً؛ تريد تعليماً يفتح لهم الطريق.

والمريض لا يريد فقط مستشفى جديداً في لوحة المشروع؛ يريد طبيباً ودواءً وموعداً وعلاجاً.

هنا يصبح «الصدق والمعقول» قابلاً للقياس.

وإذا أراد «البام» أن يحول هذا الشعار إلى قوة انتخابية حقيقية، فعليه أن يقبل بأن يُسأل عنه لا في المنصة فقط، وإنما أمام الأرقام والنتائج والوقائع.

ومن هذه الزاوية، فإن دخول لقجع إلى المكتب السياسي لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره مكسباً تنظيمياً للحزب، وإنما باعتباره التزاماً سياسياً جديداً. فالمنصوري قدمت انضمامه، إلى جانب ينجا الخطاط، باعتباره إضافة نوعية قائمة على الخبرة والكفاءة.

والكفاءة، في السياسة، لا تُقاس بعدد الملفات التي أدارها المسؤول، وإنما بقدرته على تحويل الخبرة إلى اختيارات واضحة، ثم تحمل مسؤولية نتائجها.

وهنا يمكن أن نطرح السؤال الذي ربما لن يُطرح في القاعات الحزبية بسهولة:

إذا كانت كرة القدم قد حصلت على استثمارات ضخمة لأنها رهان وطني، فما هو حجم الرهان الوطني الذي يجب أن تحصل عليه المدرسة؟ وما هو حجم الرهان الوطني على المستشفى؟ وما هو ثمن الأمن المائي؟ وما هي كلفة الحفاظ على الأمن الغذائي؟

ليس المطلوب أن نضع ملعباً في مواجهة مدرسة، أو مستشفى في مواجهة منتخب وطني.

المطلوب أن نضع منطق الأولويات في مواجهة منطق المناسبات.

فالدولة لا تُقاس فقط بما تستطيع أن تنجزه عندما يكون هناك كأس عالم أو كأس إفريقيا أو حدث دولي كبير. الدولة تُقاس أيضاً بما تستطيع أن تفعله في قرية لا تصلها الكاميرات، وفي مدرسة لا يعرفها أحد، وفي مستشفى لا يظهر في نشرات الأخبار، وفي أرض فلاحية تكافح من أجل قطرة ماء.

وهنا تحديداً سيكون «الصدق والمعقول» شعاراً له معنى، إذا تحول من لغة انتخابية إلى عقد سياسي: قول ما يمكن فعله، تحديد ما لا يمكن فعله، إعلان كلفة الاختيارات، تقديم حصيلة قابلة للقياس، ثم العودة إلى المواطن لمحاسبة النفس قبل طلب صوته.

أما إذا بقي الشعار مجرد مفردة جميلة تُقال في اللقاءات الانتخابية، فإن المواطن سيضعه سريعاً في خانة الشعارات التي سبقته.

فالانتخابات ليست مسابقة في البلاغة.

إنها لحظة حساب.

وحين يدخل رجل الميزانية ورجل كرة القدم إلى قلب حزب يستعد لمعركة انتخابية، فإن السؤال الأكبر لا يعود فقط: ماذا سيضيف لقجع إلى «البام»؟

السؤال يصبح: ماذا سيقدم «البام» للمغاربة من تفسير صريح لكيفية إنفاق أموالهم وترتيب أولويات بلدهم؟

وهنا فقط سيُعرف معنى «الصدق».

وهنا فقط سيُختبر «المعقول».

لأن المواطن المغربي لا يرفض أن يرى منتخبه يفوز، ولا يرفض أن يرى بلده يبني ملاعب حديثة، ولا يرفض أن يصبح المغرب قوة رياضية وسياحية ودبلوماسية. لكنه يريد، في المقابل، أن يرى مدرسة تليق بأبنائه، ومستشفى يحفظ كرامته، وماءً يضمن مستقبل أرضه، وفلاحة قادرة على الاستمرار، وفرصة عمل تمنح أبناءه سبباً للبقاء.

وفي النهاية، ليست المشكلة في أن ننفق على كرة القدم، بل في أن نعرف: ماذا أنفقنا؟ لماذا أنفقنا؟ ماذا ربحنا؟ وماذا يجب أن نضعه الآن في مقدمة الطابور؟

ذلك هو السؤال الذي سيلاحق «الصدق والمعقول» من سوس ماسة إلى صناديق الاقتراع.