مدرب «لبؤات الأطلس» يضع 22 ألف مشجع في حسابات نصف النهائي: الضغط سلاحاً أم اختباراً إضافياً؟

0
75
صور: و.م.ع

حين يتحدث خورخي فيلدا عن نحو 22 ألف مغربي ينتظر أن يملأوا مدرجات ملعب نصف نهائي كأس أمم إفريقيا للسيدات، فإنه لا يتحدث عن جمهور يكتفي بمشاهدة المباراة. المدرب الإسباني يريد لهذا الحضور أن يدخل في حسابات المواجهة نفسها، وأن يتحول من عامل يمكن أن يرفع سقف التوتر على لاعباته إلى مصدر ضغط على المنتخب الكاميروني. في تصوره، المدرجات جزء من المعادلة، والمنتخب الذي سيجد نفسه محاطاً بهذا الحجم من الدعم سيكون مطالباً بالتعامل مع أجواء مختلفة تماماً عن مباراة عادية في بطولة قارية.

فيلدا اختار أن يضع المسألة بوضوح: «بالنسبة لنا، الضغط امتياز». العبارة تختصر الطريقة التي يريد بها الجهاز التقني إدارة الحالة النفسية للمجموعة بعد الوصول إلى نصف النهائي وضمان التأهل إلى كأس العالم 2027. فالمنتخب المغربي لم يعد يبحث عن إثبات وجوده في البطولة، بعدما تحقق الهدف الأول الذي حدده المدرب، لكنه في الوقت نفسه لم يعد يملك مبرراً للتراجع في سقف الطموح. التأهل إلى المونديال أصبح واقعاً، والمرحلة التالية هي محاولة الوصول إلى النهائي.

هذا التحول في الهدف يغير أيضاً طبيعة الضغط. عندما يكون التأهل إلى كأس العالم هو الغاية، يصبح الوصول إليه نهاية لمسار محدد. أما عندما يتحقق قبل نهاية البطولة، فإن الإنجاز نفسه يتحول إلى أرضية جديدة للتوقعات. اللاعبات اللواتي احتفلن بضمان المونديال يدخلن الآن مباراة لا يكفي فيها أن يكنّ قد حققن المطلوب؛ المطلوب الجديد هو أن يثبتن أن المجموعة قادرة على استثمار ما تحقق ومواصلة الطريق.

ولهذا يبدو حديث فيلدا عن الحماس والثقة مرتبطاً أكثر بإدارة المرحلة منه بمجرد رفع المعنويات. هو يقول إن اللاعبات لا يحتجن إلى تحفيز إضافي، وإنهن يعرفن كيفية التعامل مع مثل هذه اللحظات، وإن الجهاز التقني عمل خلال السنة الماضية على تصور هذه الأجواء والتدرب ذهنياً على التعامل معها. المعنى الذي يمكن استخلاصه من ذلك أن الإعداد للمباراة لم يكن بدنياً وتكتيكياً فقط، بل شمل أيضاً محاولة جعل الضغط المتوقع أمراً مألوفاً في ذهن اللاعبة قبل أن يصبح واقعاً في الملعب.

غير أن الرهان على الجمهور لا يعني أن فيلدا يستخف بالمنتخب الكاميروني. على العكس، وصف المباراة بأنها متوازنة وقريبة، وحدد بوضوح مصادر الخطورة لدى المنافس: القوة البدنية، التحولات، والكرات الثابتة. وهذه العناصر الثلاثة تكشف عن مباراة قد لا تمنح المنتخب المغربي المساحات التي يحتاجها لفرض أسلوبه بسهولة، خصوصاً إذا نجحت الكاميرون في جر المواجهة إلى صراع بدني وإلى لحظات انتقال سريعة.

هنا يصبح الحديث عن «التفاصيل الصغيرة» أكثر من عبارة معتادة في المؤتمرات الصحافية. في نصف النهائي، قد لا يكون الفارق بين فريقين في القدرة على صناعة الفرص بقدر ما يكون في القدرة على منع الخصم من استثمار لحظة واحدة. كرة ثابتة، تحول سريع، خطأ في التمركز أو فرصة لا تستغل في توقيتها قد تكون كافية لتغيير شكل المباراة، ولذلك فإن ثقة فيلدا في فريقه ستحتاج إلى ترجمة عملية داخل الملعب.

والمدرب يراهن في الوقت نفسه على عامل آخر: الخبرة. تقدم بعض اللاعبات في السن لا يراه مشكلة، بل يعتبره عنصراً مساعداً، لأن الاحتراف في نظره لا يقاس بالعمر وحده، وإنما بقدرة اللاعبة على الحفاظ على جاهزيتها والتعامل مع متطلبات المنافسة. وفي مباراة قد تمتد إلى 120 دقيقة ثم إلى ركلات الترجيح، تصبح القدرة على إدارة الأعصاب والقرارات جزءاً من الخبرة التي لا تظهر دائماً في الإحصاءات.

فيلدا لا يريد أيضاً أن يربط نجاح المنتخب بسيناريو واحد. لذلك تحدث عن الاستعداد للمباراة سواء انتهت في 90 دقيقة أو امتدت إلى الأشواط الإضافية أو وصلت إلى ركلات الترجيح. وهذا الاستعداد لكل الاحتمالات يعني أن الجهاز التقني يحاول إبقاء المجموعة داخل المباراة مهما تغير إيقاعها، لأن الفريق الذي ينهار ذهنياً عندما يتغير السيناريو قد يخسر رغم امتلاكه الأدوات اللازمة للفوز.

في المقابل، سيكون على المنتخب المغربي أن يحافظ على المسافة الصحيحة بين الحماس والانضباط. الجمهور يستطيع أن يرفع الإيقاع، لكن المباراة قد تحتاج في لحظة معينة إلى الهدوء. والضغط الذي يعتبره فيلدا امتيازاً يمكن أن يصبح عبئاً إذا تحولت رغبة اللاعبات في إرضاء المدرجات إلى استعجال أو مخاطرة غير محسوبة. لذلك فإن نجاح الرهان الجماهيري لن يقاس بعدد الأصوات التي ستملأ الملعب، وإنما بقدرة اللاعبات على تحويل تلك الطاقة إلى تركيز.

بهذا المعنى، تصبح مباراة الكاميرون اختباراً لما بعد التأهل إلى كأس العالم. المنتخب المغربي ضمن بالفعل مكانه في مونديال 2027، لكنه يجد نفسه الآن أمام فرصة أخرى لا تتعلق فقط بالنتيجة، بل بمستوى النضج الذي بلغه هذا الجيل. هل يستطيع أن يلعب نصف نهائي أمام جمهوره بالطريقة التي يتطلبها هذا النوع من المباريات، وأن يحافظ على شخصيته عندما لا تسير المواجهة وفق السيناريو المثالي؟

الإجابة ستظهر في الملعب، حيث سيتعين على «لبؤات الأطلس» أن تثبت أن الضغط يمكن فعلاً أن يكون امتيازاً، وأن الجمهور يمكن أن يتحول إلى قوة دون أن يتحول إلى عبء، وأن التأهل إلى كأس العالم لم يكن نهاية الطموح، بل بداية مرحلة جديدة منه.

في نصف النهائي، لن يكون السؤال فقط من يريد الوصول إلى النهائي، وإنما أي فريق يستطيع أن يدير الضغط عندما يصبح كل تفصيل قابلاً لأن يصنع الفارق.