المغرب يتحرك قبل الموعد: من يعبّئ نحو سبتة عبر الشبكات؟

0
107

الرباط تستبق دعوات جديدة لعبور جماعي نحو سبتة ومليلية، بعد موجة 30 و31 يوليوز التي كشفت أن الحدود لم تعد تبدأ عند السياج، بل قبل ذلك بكثير، داخل الهاتف.

في الرباط، جاء الإعلان الأمني هذه المرة قبل أن تتحول الدعوات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مشهد ميداني. المتحدث باسم وزارة الداخلية رشيد الخلفي أكد أن السلطات رصدت منشورات ورسائل مجهولة المصدر تحرض على تنظيم محاولات عبور جماعي غير قانونية نحو سبتة ومليلية يوم 15 غشت، وأن الأجهزة العمومية اتخذت جميع التدابير الضرورية لمنعها، مع توقيف أشخاص يشتبه في تورطهم في أعمال تحريضية وإحالتهم إلى القضاء. الأهم في هذا الإعلان ليس فقط مضمون الإجراءات، وإنما توقيتها: الرباط تريد أن تواجه الدعوة وهي لا تزال رسالة على شاشة، لا تجمعاً بشرياً عند الحدود.

هذا التحول في التوقيت له ما يبرره في تجربة الأيام الأخيرة. ففي 30 و31 يوليوز تحولت المنطقة المحاذية لسبتة إلى مسرح لتحرك بشري استثنائي، بعدما دخل عشرات الآلاف إلى المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية خلال فترة زمنية قصيرة. وتختلف الأرقام بحسب الجهة التي أعلنتها؛ فقد تحدثت السلطات الإسبانية عن نحو 50 ألف شخص، بينما رفعت تقديرات السلطات المحلية في سبتة العدد إلى نحو 60 ألفاً، فيما ذهبت تقارير وتحقيقات لاحقة إلى أرقام أعلى. لكن اختلاف الرقم لا يغير جوهر الواقعة: ما حدث كان ضغطاً بشرياً واسع النطاق، سريعاً بما يكفي ليفاجئ المدينة ويضع منظومة الحدود والاستقبال أمام اختبار غير عادي.

واللافت أن جزءاً من هذا الحشد لم يتحرك بناءً على مسار تقليدي معروف للهجرة، وإنما في بيئة معلوماتية صنعتها الرسائل والمنشورات والشائعات. تقارير عن أحداث نهاية يوليوز تحدثت عن معلومات مضللة انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية، من بينها مزاعم مرتبطة بفتح الحدود أو بإمكانية دخول إسبانيا والبقاء فيها، وهو ما أعطى الشائعة قوة عملية تتجاوز كونها خبراً كاذباً. وفي مثل هذه الحالات، لا يحتاج المحرّض إلى إقناع عشرات الآلاف بشكل مباشر؛ يكفي أن يصنع معلومة تبدو قابلة للتصديق، ثم يترك الشبكات الاجتماعية تتكفل بتوزيعها وتضخيمها وتحويلها إلى قرار فردي يتكرر آلاف المرات.

لكن التطور الأكثر أهمية ظهر بعد انحسار موجة يوليوز. تحقيق نشرته صحيفة El País استناداً إلى دراسة لشركة Golden Owl المرتبطة بجامعة أليكانتي خلص إلى أن التحرك لم يكن عفوياً بالكامل، بل أظهر مؤشرات على تنظيم موزع عبر شبكات التواصل، مع طبقات مختلفة للتنسيق والنشر والاستقطاب، وانتقال بعض عمليات التعبئة من الفضاء العام إلى قنوات أكثر خصوصية. هذه المعطيات لا تعني تلقائياً وجود جهة واحدة تقف خلف كل ما حدث، ولا تسمح بالقفز إلى اتهام سياسي أو أمني من دون دليل، لكنها تجعل من الصعب أيضاً التعامل مع الظاهرة باعتبارها مجرد شائعة عابرة.

وهنا تحديداً تتغير طبيعة السؤال. القضية لم تعد فقط: كم شخصاً سيصل إلى السياج يوم 15 غشت؟ بل: من أين تأتي الدعوة، وكيف تنتشر، ومن يحولها من منشور إلى موعد، ومن موعد إلى تجمع؟ فاختيار تاريخ محدد يعني أن هناك محاولة لتحويل الرغبة الفردية في الهجرة إلى فعل جماعي منسق. وعندما يصبح التاريخ معروفاً مسبقاً، فإن الحدود تكون قد تلقت إنذارها قبل أن يصل إليها أي شخص، وتتحول المعركة من منع العبور إلى منع التعبئة التي تسبقه.

لهذا تبدو عبارة الخلفي عن أن الأمر يدخل ضمن «منظومة يقظة مستمرة» أكثر دلالة من الحديث عن الاستعداد ليوم 15 غشت وحده. فالسلطات المغربية لا تقول إنها تتعامل مع موعد استثنائي، وإنما مع نمط يمكن أن يتكرر ويتغير شكله ومكانه. وإذا كانت الشبكات قادرة على نقل الدعوة من مجموعة إلى أخرى، فإن إغلاق صفحة أو توقيف شخص لا يعني بالضرورة انتهاء العملية؛ التجربة الإسبانية نفسها أظهرت أن القائمين على التعبئة يمكن أن ينتقلوا إلى فضاءات أقل وضوحاً بعد إغلاق الحسابات أو الصفحات الأولى.

ومن هذه الزاوية، فإن توقيف بعض المشتبه في تورطهم في التحريض يحمل وظيفة تتجاوز الردع القانوني. إنه محاولة لقطع السلسلة قبل أن تصل إلى الحلقة الأخيرة، أي إلى الشاب الذي يغادر منزله متوجهاً إلى الفنيدق أو إلى أي نقطة قريبة من الحدود. غير أن نجاح هذه المقاربة لا يقاس بعدد التوقيفات فقط، بل بقدرة السلطات على تحديد الفرق بين التعبير عن الرغبة في الهجرة وبين صناعة تعبئة جماعية تدفع أشخاصاً، بمن فيهم قاصرون، إلى خوض مسار قد ينتهي بإصابات أو غرق أو تدافع أو مواجهة مع قوات الأمن.

فالخطر الذي كشفته أحداث يوليوز لم يكن أمنياً فقط. عندما يتحرك هذا العدد من الأشخاص في مساحة جغرافية محدودة، فإن احتمال وقوع الكارثة يصبح جزءاً من المعادلة نفسها. وكلما ارتفع منسوب الإشاعة، انخفضت قدرة الفرد على تقييم المخاطر؛ فالرسالة التي تقول إن «الطريق مفتوح» لا تقدم فقط معلومة خاطئة، بل تلغي في ذهن المتلقي سلسلة الأسئلة التي يفترض أن تسبق قراراً بهذه الخطورة. ومن هنا يصبح التضليل الرقمي عاملاً مباشراً في إنتاج الخطر الإنساني، وليس مجرد مشكلة إعلامية.

المغرب يعرف أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على الجانب الأمني، لأن جزءاً من المشكلة أصبح يقع خارج المجال الجغرافي للحدود. فالهاتف المحمول أصبح نقطة التجمع الأولى، والمنشور قد يكون نقطة الانطلاق، والمجموعة الرقمية قد تقوم بوظيفة كانت تتطلب في السابق شخصاً أو شبكة ميدانية. وهذا يفسر لماذا أصبح رصد المحتوى جزءاً من العمل الأمني المرتبط بالهجرة، ولماذا دخلت المؤسسات الأوروبية نفسها على خط مواجهة التضليل المرتبط بأزمة سبتة، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية فتح قناة تنسيق مع منصات مثل TikTok وMeta لمواجهة المعلومات المضللة المرتبطة بالأحداث الأخيرة.

وهنا تظهر نقطة أخرى لا ينبغي تجاهلها: سبتة ليست مجرد معبر للهجرة، بل نقطة تماس بين المغرب وإسبانيا وأوروبا، وأي ضغط جماعي عليها يتحول بسرعة إلى قضية سياسية تتجاوز حجم المدينة نفسها. ما جرى في نهاية يوليوز دفع النقاش داخل أوروبا إلى مستوى أعلى، وفتح سجالات حول مراقبة الحدود وشينغن ومسؤولية إسبانيا والمغرب، فيما تحولت سبتة إلى رمز لأزمة حدودية لا يمكن فصلها عن العلاقات المغربية الإسبانية ولا عن السياسة الأوروبية للهجرة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التعاون الأمني المغربي الإسباني بصورة أكثر واقعية. فالطرفان، مهما اختلفت حساباتهما السياسية بشأن سبتة ومليلية أو بشأن قضايا السيادة، يواجهان مصلحة مشتركة في منع الحدود من التحول إلى مساحة فوضى مفتوحة. بالنسبة إلى المغرب، يتعلق الأمر بمنع استنزاف أمني وإنساني على أراضيه ومنع استغلال شبابه في مغامرات خطرة؛ وبالنسبة إلى إسبانيا، يتعلق الأمر بحماية حدودها الخارجية ومنع انتقال أزمة محلية إلى أزمة أوروبية. لذلك يصبح التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية أحد أكثر الملفات حساسية وبراغماتية في العلاقة بين البلدين في الوقت نفسه.

غير أن السؤال الأصعب يبقى في الجهة الأخرى من الحدود: لماذا تجد هذه الدعوات أصلاً جمهوراً مستعداً للاستجابة؟ فالشبكات الاجتماعية تستطيع أن تضخم الوهم، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخلق الرغبة في الهجرة من الصفر. هناك قابلية اجتماعية ونفسية واقتصادية تجعل الرسالة الكاذبة قابلة للتصديق، خصوصاً عندما تقدم للشاب صورة مختصرة عن طريق يبدو سهلاً وسريعاً إلى أوروبا. ولذلك فإن إغلاق الحسابات وملاحقة المحرضين يمكن أن يوقف محاولة محددة، لكنه لا يلغي البيئة التي تجعل محاولة أخرى قابلة للظهور بعد أيام أو أسابيع.

المفارقة أن موجة يوليوز نفسها أظهرت كيف يمكن أن تنتقل العدوى من حدث إلى رواية، ومن الرواية إلى موعد جديد. فمجرد نجاح آلاف الأشخاص في الوصول إلى سبتة، حتى لو انتهى الأمر بعودة معظمهم إلى المغرب، يمكن أن يتحول على شبكات التواصل إلى قصة مختلفة تماماً: إذا تمكن هؤلاء، فلماذا لا أتمكن أنا؟ وهنا تكمن قوة الصورة أكثر من قوة الحقيقة؛ لأن المستخدم لا يرى في هاتفه ما حدث قبل العبور وبعده، وإنما يرى لحظة الوصول، وهي اللحظة التي تستطيع أن تصنع وهماً جماعياً بالسهولة.

ولهذا فإن إعلان الرباط عن إجراءات استباقية يحمل رسالة إلى الداخل بقدر ما يحمل رسالة إلى الخارج. إلى الشباب، تقول السلطات إن ما يتم تداوله على الشبكات ليس ضمانة لعبور آمن ولا طريقاً مفتوحاً إلى أوروبا؛ وإلى منظمي هذه الدعوات، تقول إن الدولة لم تعد تنتظر ظهور الحشد حتى تتحرك. أما إلى مدريد وبروكسل، فالرسالة مختلفة: المغرب يتعامل مع أمن حدوده باعتباره خط دفاع أول، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يُنظر إلى الهجرة الجماعية باعتبارها ملفاً أمنياً ومعلوماتياً وإنسانياً مشتركاً، لا مجرد مشكلة مغربية تُدفع إلى الضفة الأخرى.

والمفارقة الأوضح أن موعد 15 غشت، الذي تحاول الدعوات الرقمية تحويله إلى «موعد للعبور»، قد يكون قد فقد جزءاً من عنصر المفاجأة بمجرد الإعلان الرسمي عن رصده. فحين تعرف الدولة التاريخ مسبقاً، وتعرف أن الدعوات تنتشر، وتراقب الشبكات وتتحرك ميدانياً، يصبح تنفيذ سيناريو مماثل لما وقع في نهاية يوليوز أكثر صعوبة. لكن ذلك لا يعني أن الخطر انتهى؛ لأن الشبكة التي استطاعت صناعة موعد يمكنها أيضاً تغيير الموعد، أو المكان، أو طريقة التعبئة.

لهذا تبدو المعركة الحقيقية أبعد من السياج الفاصل بين الفنيدق وسبتة. إنها معركة على المعلومة نفسها: من يملك القدرة على تعريف الواقع قبل أن يصل الناس إليه؟ ومن يستطيع أن يقنع آلاف الشباب بأن الحدود مفتوحة، أو أن حكماً قضائياً غيّر قواعد اللعبة، أو أن الطريق إلى أوروبا أصبح فجأة ممكناً؟ إذا كانت الحدود التقليدية تحرسها الأسلاك والدوريات، فإن الحدود الجديدة تحتاج أيضاً إلى مراقبة الروايات التي تُبنى قبل الوصول إليها.

المغرب، بتحركه هذه المرة قبل الموعد، يحاول نقل المعركة إلى هذه المساحة تحديداً. لكن نجاحه لن يتحدد فقط بقدرته على منع تجمع جديد في 15 غشت، وإنما بقدرته على تفكيك البنية التي تجعل الدعوة قابلة للتكرار: الحساب الذي ينشر، والمجموعة التي تضخم، والمعلومة الكاذبة التي تمنح الأمل، والمصلحة التي تقف خلفها، والواقع الاجتماعي الذي يجعل شاباً يصدقها. عند تلك النقطة فقط يصبح الاستباق أكثر من انتشار أمني على الحدود؛ يصبح محاولة لقطع الطريق على عملية تبدأ من شاشة صغيرة وتنتهي عند سياج يمكن أن يفتح على أوروبا، أو على كارثة إنسانية، أو على أزمة جديدة بين الرباط ومدريد.