«انتقام في إسبانيا يحصد ثلاثة أرواح.. قاصر يسقط برصاص تصفية الحسابات»

0
129

إيسلا كريستينا.. حين يخرج الانتقام من دائرة أصحابه إلى الشارع

ثلاثة قتلى، بينهم قاصر في السادسة عشرة، وامرأة في التاسعة والثلاثين كانت حاملاً في شهرها الثامن، ووالدتها البالغة 62 عاماً. تلك هي الحصيلة التي تركها إطلاق النار الذي هز حي «إل روسيو» في مدينة إيسلا كريستينا بمقاطعة هويلفا مساء الأحد، بعدما فتح مهاجمان النار في الشارع من على متن دراجة نارية، قبل أن يلوذا بالفرار. وأصيب شخص آخر بجروح خطيرة، فيما توفي الجنين الذي كانت تحمله المرأة الحامل. وبينما تتجه التحقيقات نحو فرضية تصفية حسابات مرتبطة بصراع سابق بين عائلتين، يبرز في قلب الجريمة سؤال أكثر قسوة: كيف ينتهي نزاع يبدو محصوراً بين أطراف محددة إلى شارع مفتوح يصبح فيه المارة أنفسهم جزءاً من دائرة الخطر؟

المعطيات الأولية التي نقلتها السلطات ووسائل الإعلام الإسبانية ترسم مشهداً سريعاً وعنيفاً: دراجة نارية، مهاجمان، سلاح طويل، إطلاق نار في وضح المجال العام، ثم فرار. لكن أكثر ما يلفت في تفاصيل الحادث أن القاصر الذي قتل لم يكن، وفق المعطيات الأولية، من أفراد العائلة المستهدفة، ولا يبدو أنه كان طرفاً في النزاع الذي تبحث السلطات في خلفياته. وجوده في المكان كان كافياً ليضعه أمام رصاص لم يكن موجهاً إليه بالضرورة. وهذه هي النقطة التي تنقل الحادث من جريمة انتقام محتملة إلى مسألة أمن عام، لأن الرصاص حين يُطلق في الشارع لا يحتفظ بالعنوان الذي حدده مطلقه.

وراء الحادث قصة تعود إلى سبتمبر 2024، عندما شهد حي «إل توريخون» في مدينة هويلفا إطلاق نار أسفر عن مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين. وأوقفت السلطات لاحقاً مشتبهاً فيه معروفاً بلقب «البابا» في مدينة خيخون، حيث أمرت المحكمة بإيداعه السجن الاحتياطي من دون إمكانية الإفراج عنه بكفالة، للاشتباه في ارتكابه جريمة قتل ومحاولة قتل. ومنذ ذلك الحين، ظلت فرضية الصراع بين مجموعات عائلية حاضرة في خلفية التحقيقات، قبل أن تنتقل تداعياته، وفق المعطيات المتاحة، إلى إيسلا كريستينا.

الجريمة الجديدة تكتسب معناها من صلة الضحايا بذلك المسار السابق. فالحرس المدني الإسباني أفاد بأن المرأتين اللتين قتلتا هما والدة وشقيقة «البابا»، وأن المصاب بجروح خطيرة هو ابن شقيقته. لذلك تتعامل التحقيقات مع احتمال أن يكون الهجوم جزءاً من عملية انتقام مرتبطة بالنزاع السابق. غير أن هذه القراءة، مهما بدت منسجمة مع تسلسل الأحداث، تظل فرضية قيد التحقيق، خصوصاً أن السلطات فرضت السرية على الملف لتحديد هوية المهاجمين ودوافعهم وبقية ملابسات الجريمة.

المفارقة الأكثر إيلاماً أن الانتقام، إذا ثبتت فرضيته، لم يصب فقط الأشخاص الذين يُعتقد أنهم كانوا داخل دائرة الاستهداف. امرأة حامل في شهرها الثامن قتلت، وقتلت معها والدتها، وسقط قاصر لا تشير المعطيات الأولية إلى علاقته بالنزاع، فيما فقدت المرأة جنينها. هنا تتغير طبيعة الحسابات: عندما تصبح العائلة نفسها هدفاً للانتقام، فإن الحدود بين الخصم وأقاربه والمحيطين به تبدأ في التلاشي، وحين ينقل المنفذون المواجهة إلى الشارع تصبح احتمالات الضحايا العشوائيين جزءاً من العملية نفسها، حتى لو لم تكن مقصودة.

وتشير المعطيات المتعلقة بطريقة التنفيذ إلى درجة من الإعداد تتجاوز الانفعال اللحظي. مهاجمان على متن دراجة نارية، استخدام سلاح طويل، إطلاق النار ثم الانسحاب السريع، فضلاً عن العثور لاحقاً على الدراجة محترقة وفق تقارير إعلامية، كلها عناصر تنظر إليها أجهزة التحقيق باعتبارها أجزاء من مسار واحد محتمل: الوصول إلى الهدف، تنفيذ الهجوم، ثم محاولة إزالة ما يمكن أن يقود إلى المنفذين. لكن إثبات هذه العناصر ومسؤولية أصحابها يظل من اختصاص التحقيق والقضاء.

في خلفية ذلك كله، تظهر مشكلة أوسع من أسماء الضحايا والمشتبه فيهم. فالنزاعات التي تستمر سنوات لا تبقى بالضرورة محكومة بمنطقها الأول؛ إذ يمكن لكل جولة أن تنتج سبباً لجولة جديدة، وكل ضحية أن تتحول إلى مبرر لانتقام لاحق. وعندما تدخل الأسلحة النارية إلى هذا النوع من الصراعات، يصبح الزمن نفسه عاملاً في إعادة إنتاج الجريمة. حادثة 2024 يمكن أن تجد امتداداً لها بعد عامين، ومقتل شخص في جولة أولى يمكن أن يتحول إلى استهداف أفراد من عائلته في جولة لاحقة، بما يجعل دائرة العنف أوسع من الواقعة التي أطلقتها.

لهذا تبدو مهمة السلطات الإسبانية في إيسلا كريستينا مزدوجة: الوصول إلى منفذي الهجوم وتقديمهم أمام القضاء، وفي الوقت نفسه منع الجريمة من التحول إلى بداية جولة جديدة من الانتقام. فإلقاء القبض على مطلقي النار يعالج الجريمة التي وقعت، أما تفكيك الشبكة العائلية أو التنظيمية أو الاجتماعية التي تسمح باستمرار الثأر فهو ما يحدد ما إذا كانت هذه الحادثة ستبقى واقعة مأساوية منفردة أم ستصبح حلقة أخرى في سلسلة.

في النهاية، تختصر صورة قاصر في السادسة عشرة يسقط في شارع لا علاقة له، وفق المعطيات الأولية، بأصل النزاع، المأساة كلها. فالخصومة قد تبدأ بين أشخاص يعرفون بعضهم جيداً، لكنها عندما تحمل السلاح إلى الفضاء العام تفقد قدرتها على تحديد ضحاياها. وفي تلك اللحظة تحديداً، لا يعود الخطر محصوراً في من كان داخل دائرة الانتقام، بل يصبح الشارع نفسه جزءاً من المعركة، ويدفع ثمنها أشخاص لم يختاروا الدخول إليها أصلاً.