من ألدّاء الأمس إلى طاولة واحدة.. ماذا وراء التقارب المفاجئ بين حماس ومحمد دحلان في القاهرة؟

0
41
لقاء خليل الحية ومحمد دحلان في القاهرة يفتح صفحة مفصلية في المشهد الفلسطيني.. ما الذي يجمع خصمي 2007؟ ومن يدير غزة بعد الحرب؟
محمد دحلان (يمين) وخليل الحية (يسار) - مصدر الصورة: شبكة الإنترنت

القاهرة – في السياسة الفلسطينية، ثمة لقاءات لا تُقاس أهميتها بما يُقال داخل الغرف المغلقة، بل بما تعنيه مجرد رؤية الخصوم التاريخيين يجلسون إلى الطاولة نفسها. ومن هذه الزاوية، حمل اللقاء الذي جمع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية بمحمد دحلان، رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، في مصر، دلالة تتجاوز حدود المصالحة الشخصية أو التنسيق الظرفي.

فاللقاء الذي عُقد في 17 غشت (أغسطس/آب) 2026 الجاري، جاء في لحظة شديدة الحساسية: حرب غزة تقترب من إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في القطاع، وخطة أميركية تتحدث عن انتقال الإدارة إلى هيئة فلسطينية تكنوقراطية ونزع سلاح حماس، فيما تستعد الساحة الفلسطينية لانتخابات تشريعية مقررة في 28 نونبر (نوفمبر/تشرين الثاني) المقبل.

لكن الأهم أن الرجلين يمثلان ذاكرة صراع فلسطيني داخلي امتدت لسنوات، قبل أن تفرض الحرب والحسابات الجديدة على الطرفين إعادة اكتشاف نقاط المصالح المشتركة.

لقاء القاهرة.. ما الذي نعرفه فعلاً؟

من المهم الفصل بين المعلومات المؤكدة وبين التفاصيل التي تداولتها بعض التقارير دون إعلان رسمي كامل.

حماس أعلنت أن وفداً برئاسة الحية التقى وفداً من تيار الإصلاح الديمقراطي برئاسة دحلان في القاهرة، وبحث الطرفان التطورات السياسية والميدانية الفلسطينية، وجهود حماية الفلسطينيين وتعزيز الموقف الوطني وتثبيت وقف إطلاق النار وضمان الانسحاب الإسرائيلي وتقديم الدعم الإنساني لسكان غزة.

وبالتوازي، أكد المتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي عماد محسن أن الاجتماع ناقش تثبيت الهدنة، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية، ومواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقات والتفاهمات.

أما التفاصيل المتعلقة بتشكيل جهاز أمني مشترك أو إنشاء «مدينة إنسانية» أو الاتفاق النهائي على آليات إدارة غزة، فلا ينبغي تقديمها باعتبارها قرارات نهائية؛ إذ إن المصادر المتاحة تشير إلى أن جانباً مهماً من هذه الملفات لا يزال في إطار النقاش والتفاوض.

وهذه نقطة مهمة لفهم المشهد: ما حدث هو انتقال من القطيعة إلى الحوار، وليس إعلان تحالف مكتمل الأركان.

من اقتتال 2007 إلى شراكة الضرورة

يصعب فهم أهمية لقاء الحية ودحلان من دون العودة إلى عام 2007.

كان دحلان في ذلك الوقت أحد أبرز رجال الأمن والنفوذ في فتح داخل غزة، بينما كانت حماس قد حققت فوزاً انتخابياً في 2006 وأخذت تتقدم سياسياً وأمنياً. وانتهى الصراع بين الطرفين باقتتال داخلي وسيطرة حماس على قطاع غزة، فيما غادر دحلان القطاع إلى الخارج.

ولهذا فإن جلوس الرجلين اليوم في القاهرة لا يمثل مجرد خلاف سياسي عابر؛ إنه يعكس تغيراً في طبيعة المصالح الفلسطينية نفسها.

فالحرب جعلت السؤال مختلفاً: لم يعد الصراع فقط حول من يحكم غزة، بل حول من سيكون موجوداً في غزة عندما تبدأ مرحلة إعادة الإعمار، ومن سيمثل الفلسطينيين في الترتيبات السياسية الجديدة، ومن يمتلك القدرة على التواصل مع مصر والولايات المتحدة والدول العربية والجهات الدولية.

وتشير صحيفة إندبندنت عربية إلى أن اللقاء يأتي في سياق بحث ترتيبات المرحلة الانتقالية ومستقبل القطاع، فيما ربطت تقارير أخرى بين التقارب وبين الاستحقاق الانتخابي المقبل.

لماذا تحتاج حماس إلى دحلان؟

يمكن قراءة التقارب من زاوية براغماتية واضحة.

حماس تواجه معادلة صعبة: فهي تريد الحفاظ على وزنها السياسي داخل النظام الفلسطيني المقبل، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطاً أميركية وإسرائيلية وإقليمية مرتبطة بمسألة السلاح وإدارة القطاع.

وفي هذا السياق، يظهر دحلان بوصفه شخصية تمتلك شبكة علاقات إقليمية ودولية، فضلاً عن امتلاكه نفوذاً داخل جزء من البيئة السياسية والاجتماعية في غزة.

والأهم أن واشنطن نفسها بدأت تتعامل بصورة مباشرة مع قيادة حماس الجديدة. فقد التقى المبعوث الأميركي جاريد كوشنر بخليل الحية في مصر في 16 غشت (أغسطس/آب) الجاري، في اجتماع تناول خطة غزة وقضية نزع السلاح والانتقال إلى إدارة فلسطينية تكنوقراطية.

وهذا يعني أن القاهرة أصبحت خلال أيام قليلة مسرحاً لمسارين متوازيين: حوار أميركي ـ حماس بشأن مستقبل غزة، وحوار حماس ـ دحلان بشأن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

وهنا تكمن أهمية التوقيت.

وماذا يريد دحلان؟

بالنسبة إلى دحلان، فإن التقارب مع حماس يفتح نافذة سياسية نادرة.

فالرجل الذي غادر غزة قبل نحو عقدين لم يعد قادراً على العودة إليها باعتباره قائد جهاز أمني كما كان في الماضي، لكنه يستطيع محاولة العودة من بوابة مختلفة: بوابة السياسة والإدارة وإعادة الإعمار والشراكة الوطنية.

ولهذا فإن أي دور لدحلان في المرحلة المقبلة لن يكون بالضرورة عودة إلى نموذج 2006 أو ما قبله، وإنما محاولة لتقديم نفسه باعتباره أحد الوسطاء القادرين على الجمع بين أطراف فلسطينية متخاصمة وبين العواصم العربية والدولية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر لأن ذا ناشيونال نقلت عن مسؤول في حماس أن فكرة تحالف سياسي يضم الحركة وتيار دحلان وقوى فلسطينية أخرى أصبحت قيد البحث، وإن كانت لا تزال قيد الدراسة.

الانتخابات.. الحلقة التي تربط غزة بالقاهرة

التحول الأكبر ربما لا يتعلق بإدارة غزة فقط، بل بصندوق الاقتراع.

فالرئيس الفلسطيني محمود عباس أصدر مرسوماً لإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نونبر (نوفمبر/تشرين الثاني) 2026، وهي ستكون أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ انتخابات يناير (كانون الثاني) 2006 إذا جرت في موعدها.

وهنا بدأت الحسابات الجديدة.

حماس أعلنت أنها تريد المشاركة ضمن أوسع تحالف وطني ممكن، بينما دخل تيار الإصلاح الديمقراطي في حوارات مع حماس وفصائل فلسطينية أخرى لبحث قائمة انتخابية موسعة.

وفي 19 غشت (أغسطس/آب) الجاري، أفادت المنصة بأن لقاءات جديدة في القاهرة بحثت تشكيل قائمة موحدة للانتخابات، فيما تحدثت وكالة الأنباء الإيطالية (ANSA) عن اجتماع بين ممثلي حماس وكتلة دحلان لبحث إمكانية تشكيل قائمة مشتركة.

لكن اللافت أن فتح الرسمية ليست جزءاً من هذا المسار؛ بل إن الناطق باسمها منذر الحايك أكد أن القواعد التنظيمية للحركة ترفض خوض الانتخابات في قائمة واحدة مع حماس، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تحالفات مع قوى أخرى.

وهنا يتحول لقاء الحية ودحلان من مجرد مصافحة تاريخية إلى احتمال إعادة رسم الخريطة الانتخابية الفلسطينية.

واشنطن.. العامل الخفي في المعادلة

لا يمكن فصل التحرك الفلسطيني عن الخطة الأميركية لغزة.

فالمبعوث الأميركي جاريد كوشنر التقى الحية في مصر، فيما كانت واشنطن تضغط باتجاه تنفيذ خطة تتضمن انتقال الإدارة إلى هيئة فلسطينية تكنوقراطية، ونزع سلاح حماس تدريجياً، وانسحاباً إسرائيلياً مرتبطاً بالتقدم في ملف السلاح.

لكن هناك عقدة أساسية: حماس تريد ضمانات إسرائيلية قبل تنفيذ التزاماتها، بينما تريد إسرائيل نزع السلاح قبل تقديم تنازلات جوهرية.

وهذه الحلقة المفرغة تجعل أي دور لشخصيات مثل دحلان ذا قيمة إضافية، لأن المطلوب ليس فقط طرفاً فلسطينياً يملك النفوذ داخل غزة، بل طرفاً يمكنه التحرك بين العواصم والجهات المختلفة.

إسرائيل تنظر إلى التقارب باعتباره خطراً

من المنظور الإسرائيلي، المشكلة ليست في اجتماع الحية ودحلان بحد ذاته، وإنما في السؤال الذي يليه: ماذا لو تحول هذا اللقاء إلى ترتيبات سياسية تمنح حماس طريقاً للبقاء في النظام الفلسطيني من دون بقائها كقوة حاكمة منفردة في غزة؟

إسرائيل تريد أن تكون قضية السلاح نقطة الفصل الأساسية. وفي المقابل، تسعى حماس إلى الانتقال من موقع السلطة التنفيذية المباشرة إلى موقع سياسي يمكنها من الاحتفاظ بدورها الوطني دون تحمل كامل أعباء الحكم.

وقد أشارت صحيفة تايمز أوف إسرائيل إلى أن كوشنر ضغط على حماس للبدء بتنفيذ خطة نزع السلاح، مع انتقال السلطة إلى إدارة تكنوقراطية، بينما تؤكد حماس أنها لن تتحرك في هذا المسار ما لم تلتزم إسرائيل أيضاً باستحقاقاتها.

ومن هنا يصبح دحلان جزءاً من معادلة أوسع: كيف يمكن بناء إدارة فلسطينية جديدة من دون أن تتحول إلى إدارة إسرائيلية بالوكالة، ومن دون أن تبقى حماس السلطة الحاكمة المنفردة؟

هل انتهى الانقسام الفلسطيني؟

ليس بعد.

اللقاء بين الحية ودحلان يمثل اختراقاً سياسياً مهماً، لكنه لا يعني أن الخلافات التاريخية اختفت.

هناك خلافات حول: مستقبل سلاح حماس، وشكل السلطة التنفيذية في غزة، ودور السلطة الفلسطينية في إدارة القطاع، وعلاقة غزة بالضفة الغربية، والانتخابات والتحالفات الانتخابية، ومرجعية القرار السياسي الفلسطيني، ومستقبل منظمة التحرير، وشكل النظام السياسي بعد الحرب.

بل إن التطورات اللاحقة تؤكد أن المسألة تجاوزت الطرفين بالفعل؛ فقد عقدت فصائل فلسطينية أخرى لقاءات في القاهرة لبحث تحالف انتخابي واسع، بينما بدأت فتح الرسمية أيضاً تحركات باتجاه تيار دحلان في محاولة لمنع تشكل كتلة منافسة.

القاهرة.. من الوساطة إلى هندسة المرحلة المقبلة

المشهد الأهم في كل هذه التطورات هو الدور المصري.

القاهرة لم تكن مجرد مكان للقاء. فهي تستضيف اتصالات متزامنة بين حماس والوسطاء، وبين الفصائل الفلسطينية، وبين واشنطن والأطراف العربية.

وفي 16 غشت (أغسطس/آب) الجاري، التقى الحية رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير حسن رشاد، بالتزامن مع لقاء كوشنر بالرئيس عبد الفتاح السيسي، في إطار التحركات المرتبطة بخطة غزة.

وبذلك تحولت القاهرة إلى مساحة تفاوض تجمع ثلاثة مسارات: وقف الحرب، إدارة غزة، إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني.

وهذه المسارات الثلاثة باتت مترابطة إلى درجة يصعب معها فصل أحدها عن الآخر.

خصومة الماضي أمام اختبار المستقبل

ربما تكون المفارقة الأكبر أن الحرب التي عمقت الانقسام الفلسطيني لسنوات طويلة هي نفسها التي دفعت خصوم الأمس إلى إعادة فتح قنوات الحوار.

لكن من الخطأ وصف ما يحدث بأنه «مصالحة تاريخية» مكتملة. الأدق أنه تقارب فرضته الضرورة السياسية.

حماس تحتاج إلى مخرج يحافظ على حضورها السياسي من دون العودة إلى نموذج حكم غزة السابق، ودحلان يحتاج إلى بوابة تعيده إلى مركز المشهد الفلسطيني، والقاهرة تريد منع الفوضى على حدودها، وواشنطن تبحث عن صيغة لإدارة القطاع، بينما تستعد الساحة الفلسطينية لأول اختبار انتخابي واسع منذ عقدين.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تصالح خليل الحية ومحمد دحلان، بل أصبح: هل يستطيع خصما الأمس تحويل مصافحة القاهرة إلى صيغة سياسية تعيد تركيب البيت الفلسطيني كله؟.

الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على ثلاثة ملفات: السلاح، إدارة غزة، والانتخابات. وإذا نجح الطرفان في تحويل الحوار إلى تحالف سياسي أوسع، فقد لا يكون لقاء القاهرة مجرد حدث عابر، بل بداية لإعادة تشكيل الخريطة الفلسطينية بعد الحرب. أما إذا اصطدم الحوار بمسألة السلاح أو رفض فتح الرسمية أو الحسابات الإسرائيلية والأميركية، فقد تبقى المصافحة التاريخية مجرد لحظة نادرة في زمن الانقسام.

والأكثر دلالة أن التحالف المحتمل لا يجري في فراغ؛ فالمشهد الفلسطيني يشهد بالفعل محاولات لتشكيل كتلة انتخابية واسعة تضم حماس وتيار دحلان وقوى أخرى، في وقت تتحرك فيه فتح لمنع خصومها من تشكيل جبهة موحدة.

وهنا تحديداً تكمن أهمية القاهرة: فالمفاوضات لم تعد فقط حول من يحكم غزة، وإنما حول من يملك حق صياغة فلسطين ما بعد الحرب.