البام والأحرار يفتحان معركة ما قبل الصندوق: حين تصبح استمالة المنتخبين عنواناً للانتخابات

0
92

لم تبدأ الانتخابات التشريعية المغربية بعد، لكن بعض معاركها بدأت بالفعل. هذه المرة لا تدور في المنابر الانتخابية ولا حول البرامج، وإنما داخل الخريطة الحزبية نفسها: من يبقى مع من، ومن يغيّر القميص، ومن يملك القدرة على جذب المنتخبين قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع؟

في 25 غشت، خرج حزب التجمع الوطني للأحرار ببلاغ سياسي شديد اللهجة. قال إن عدداً من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه يتعرضون، خلال الأسابيع الأخيرة، لما وصفه بـ«الاستمالات والضغوط» من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، محذراً من أن هذه الممارسات تمس أخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي السليم.

لم يذكر البلاغ أسماء المنتخبين المعنيين، ولا قدم في نصه المنشور تفاصيل عن طبيعة الضغوط أو الحالات التي يستند إليها. ولذلك تبقى هذه النقطة، في حدود المعطيات المتاحة، رواية سياسية صادرة عن طرف في النزاع وليست واقعة مثبتة بحكم أو وثيقة مستقلة.

لكن أهمية البلاغ لا تحتاج إلى إثبات الاتهام حتى تظهر. فاختيار حزب يقود الحكومة أن يجعل من «استمالة» منتخبيه موضوعاً لبيان صادر عن مكتبه السياسي، قبل الانتخابات بأسابيع قليلة، يعني أن انتقالات الأشخاص أصبحت بالنسبة إلى الأحزاب جزءاً من الحساب الانتخابي نفسه.

رد البام في اليوم التالي لم يكن دفاعاً قانونياً هادئاً فقط. الحزب رفض ما اعتبره إقحاماً لاسمه وتوجيه اتهامات إليه، ونفى بشكل قاطع ممارسة الضغط أو الإكراه، وقال إن توسيع صفوفه يتم عبر الحوار والإقناع واستقطاب الكفاءات التي تقتنع بمشروعه السياسي.

ثم أخرج من أرشيف انتخابات 2021 رقماً له دلالته السياسية: أكثر من 17 برلمانياً كانوا ينتمون سابقاً إلى خمسة أحزاب ترشحوا باسم التجمع الوطني للأحرار، بينهم ستة كانوا ينتمون إلى الأصالة والمعاصرة، إضافة إلى عشرات المنتخبين في مجالس الجماعات الترابية ومجلس المستشارين، بحسب رواية البام.

المغزى هنا ليس أن انتقالات 2021 تثبت صحة موقف البام اليوم، ولا أنها تثبت العكس. الانتقال السياسي بين الأحزاب ليس في حد ذاته دليلاً على الإكراه. كما أن استقطاب منتخبين قبيل الانتخابات لا يصبح تلقائياً ممارسة غير مشروعة لمجرد أن حزباً منافساً يعترض عليه.

المشكلة الحقيقية في مكان آخر: ما الحد الفاصل بين حرية الانتقال السياسي وبين إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية بواسطة استقطاب الأشخاص؟

هذا السؤال يزداد أهمية لأن الأحرار والبام ليسا حزبين متنافسين من خارج النظام الحكومي. فهما كانا جزءاً من الأغلبية التي تشكلت بعد انتخابات 2021 إلى جانب حزب الاستقلال، ووقع قادة الأحزاب الثلاثة ميثاق الأغلبية في دجنبر من السنة نفسها.

بمعنى آخر، فإن السجال الحالي لا يجري بين حكومة ومعارضة، وإنما بين حليفين حكوميين يقتربان من محطة انتخابية ستعيد ترتيب موازين القوة بينهما.

وهذا يفسر شيئاً من حساسية اللحظة.

فموعد انتخاب مجلس النواب محدد رسمياً في 23 شتنبر 2026، بينما تمتد الحملة الانتخابية من 10 إلى 22 شتنبر. أما إيداع الترشيحات فيبدأ في 31 غشت وينتهي في 8 شتنبر. أي أن بلاغي 25 و26 غشت وصلا في الأيام الأخيرة التي تسبق فتح باب الترشيحات.

التوقيت هنا ليس تفصيلاً.

قبل أن يتوجه المواطن إلى مكتب التصويت، تحتاج الأحزاب إلى معرفة من سيمثّلها في الدوائر، ومن يستطيع أن يحمل لائحتها، ومن يملك شبكة انتخابية محلية، ومن يستطيع أن يحول حضوره الاجتماعي أو الجماعي إلى أصوات.

لهذا يصبح المنتخب الحالي أكثر من مجرد عضو في حزب. إنه في كثير من الدوائر يمتلك معرفة بالمجال، وعلاقات مع الفاعلين المحليين، وتجربة انتخابية، وقدرة على بناء لائحة أو التأثير في جزء من الخريطة الانتخابية. ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول انتقالات الأفراد، في لحظة ما قبل الانتخابات، إلى قضية سياسية تتجاوز الشخص نفسه.

لكن هناك مفارقة أخرى في هذا السجال.

كل من الحزبين يتحدث بلغة حرية الاختيار. الأحرار يقولون إن المنافسة يجب أن تقوم على البرامج لا على استقطاب الأشخاص، والبام يقول إن أبوابه مفتوحة أمام من يختار الانضمام إليه بحرية واستقلالية.

المبدأ واضح. أما الممارسة فتحتاج إلى تدقيق أكبر.

فالمنتخب الذي يغيّر انتماءه السياسي يمارس حقاً سياسياً، لكن الحزب الذي يستقطبه يحقق في الوقت نفسه مصلحة انتخابية. وبين الأمرين توجد منطقة لا يكفي فيها الخطاب الأخلاقي وحده. المطلوب هو معرفة ما إذا كان الانتقال حراً فعلاً، وما إذا كانت الترشيحات تتم وفق القواعد القانونية، وما إذا كانت هناك وقائع محددة يمكن أن تثبت الضغط أو الإكراه أو استعمال وسائل غير مشروعة.

وهذه بالضبط هي النقطة التي لا يقدم عنها البلاغان ما يكفي من المعطيات.

البام، في المقابل، اختار أن يرد سياسياً لا أن يكتفي بالنفي. عبارة «لن يقبل دروساً» في احترام القانون وقواعد العمل السياسي والمؤسساتي تعني أن الرد يريد قلب اتجاه الاتهام: من حزب متهم إلى حزب يرى نفسه صاحب حق في مساءلة خصمه عن ماضيه الانتخابي.

هنا يتحول الخلاف من واقعة استقطاب محتملة إلى معركة على من يملك الحق في تعريف «التنافس النزيه».

وهذا ربما هو التطور الأهم في القصة.

الانتخابات التي حددتها الدولة ليست مجرد يوم 23 شتنبر. المسار الانتخابي دخل بالفعل مراحله العملية، ووزارة الداخلية بدأت منذ 24 غشت تسليم الناخبين إشعارات تحدد أماكن مكاتب التصويت، بينما تم تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات في يوليوز، استعداداً للاستحقاق.

في المقابل، تتحرك الأحزاب على إيقاع مختلف: تشكيل اللوائح، تثبيت المرشحين، الحفاظ على المنتخبين، واستقطاب من يمكن أن يضيف قيمة انتخابية في الدائرة.

لذلك، فإن المعركة التي انفجرت بين الأحرار والبام لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها خلافاً أخلاقياً حول «الاستمالة». إنها أيضاً مؤشر على أن السباق إلى 23 شتنبر دخل مرحلة أكثر صلابة: مرحلة إعادة ترتيب الرجال والخرائط قبل إعادة ترتيب المقاعد.

وقد يكون هذا السجال مجرد جولة عابرة تنتهي ببلاغين متقابلين. وقد يتوسع إذا ظهرت أسماء وحالات ووثائق محددة. عندها فقط يمكن الانتقال من الاتهام السياسي إلى فحص الوقائع.

أما الآن، فما يمكن قوله بثقة هو أن المنافسة بين حزبين من مكونات الأغلبية الحكومية بدأت تظهر في شكل جديد. لم يعد السؤال فقط من سيقنع الناخب ببرنامجه، بل من سيدخل يوم الاقتراع وهو يمتلك أكبر عدد من المرشحين والمنتخبين والشبكات المحلية القادرة على خوض المعركة.

وهنا تكمن المفارقة: قبل أن يبدأ المواطن في اختيار ممثليه، بدأت الأحزاب في اختيار من تريد أن يكون أمامه.

والفارق بين الأمرين هو بالضبط المساحة التي تستحق أن تراقبها الصحافة في الأسابيع المقبلة.