لم يعد عبد الإله بنكيران يكتفي بمهاجمة حكومة عزيز أخنوش من موقع المعارضة. في خطابه الأخير، نقل المواجهة إلى منطقة أكثر حساسية: هل يمكن أن تتحول العلاقة بين المال والسلطة إلى ملف للمساءلة القضائية؟ ومن يملك حق مساءلة من داخل الدولة عندما تتقاطع المسؤولية السياسية مع المصالح الاقتصادية؟
في بوزنيقة، خلال لقاء تواصلي نظمه حزب العدالة والتنمية، لم يستخدم الأمين العام للحزب لغة المعارضة التقليدية. خاطب أخنوش مباشرة، وقال إن مصيره، إذا لم يقدم جواباً مقنعاً حول ملف «260 مليار»، سيكون «المحكمة والسجن». التصريح، الذي تناقلته وسائل إعلام مغربية على نطاق واسع، جاء في 28 غشت، أي في وقت دخل فيه المغرب عملياً المرحلة الأخيرة قبل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر.
هنا تبدأ أهمية الكلام، لا تنتهي.
«260 مليار» ليست رقماً ظهر أمس
الملف الذي يستند إليه بنكيران ليس جديداً. فقد عاد إليه أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، رابطاً إياه بمشروع تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، وبشركة مرتبطة برئيس الحكومة، وبطلب دعم عمومي قُدّر بـ2.6 مليار درهم، أي 260 مليار سنتيم.
وبحسب رواية بنكيران، استفادت الشركة من الصفقة ثم طُرح موضوع الدعم أمام لجنة الاستثمار، وهو ما اعتبره تضارباً في المصالح. كما قال في تصريحات سابقة إن رئيس الحكومة أعلن لاحقاً أمام البرلمان عدم استفادة الشركة من ذلك الدعم، لكنه ظل يعتبر أن القرار السابق للجنة الاستثمار يحتاج إلى إلغاء رسمي وواضح.
وهنا يجب التمييز بين أمرين.
الأول ثابت بوصفه موقفاً سياسياً لبنكيران: الرجل يعتبر أن الملف يمثل نموذجاً لتضارب المصالح ويطالب بالمحاسبة.
أما الثاني، وهو أن هناك جريمة ثابتة تستوجب السجن، فلا يمكن استخلاصه من التصريحات السياسية وحدها. لا توجد في المصادر التي راجعناها معطيات تفيد بصدور حكم قضائي أو بوجود إدانة قضائية لأخنوش في هذا الملف. لذلك فإن عبارة «السجن» تظل، في هذه المرحلة، توقعاً سياسياً واتهاماً خطابياً صادراً عن خصم سياسي، وليست نتيجة قضائية.
وهذا التفريق ليس تفصيلاً تحريرياً. إنه جوهر القصة.
لأن السؤال الحقيقي لم يعد: هل قال بنكيران إن أخنوش سيذهب إلى السجن؟
السؤال هو: هل يستطيع النظام السياسي المغربي تحويل النقاش حول تضارب المصالح من مادة انتخابية إلى مسار مؤسساتي قابل للتحقق والمساءلة؟
من صفقة إلى قضية ثقة
يبدو أن بنكيران يعرف أن قوة ملف «260 مليار» لا تكمن في الرقم وحده.
2.6 مليار درهم رقم كبير، لكن ما يجعله سياسياً هو السياق الذي يضعه فيه: رجل أعمال أصبح رئيساً للحكومة، وشركات ومصالح اقتصادية، وقرارات عمومية، ولجنة استثمار، ثم سؤال بسيط في ظاهره: أين تنتهي مصلحة الدولة وتبدأ المصلحة الخاصة؟
وهذا هو الخط الذي بنى عليه بنكيران جزءاً كبيراً من معارضته لأخنوش خلال الفترة الأخيرة.
ففي تصريحات سابقة، تحدث عن «اجتماع المال والسلطة»، واعتبر أن المشكلة ليست في امتلاك الثروة أو ممارسة التجارة، وإنما في احتمال أن يتحول النفوذ السياسي إلى أداة لحماية أو تنمية المصالح الخاصة.
لكن المفارقة أن هذا الخطاب نفسه يضع بنكيران أمام اختبار.
إذا كانت القضية تتعلق فعلاً بتضارب مصالح، فالمطلوب ليس فقط خطاباً انتخابياً أكثر حدة، وإنما وثائق، وقرارات، ومساطر، وأجوبة رسمية، ثم مؤسسات قادرة على الحسم.
وإذا كان الملف قد حُسم فعلاً، فإن على الحكومة أيضاً أن تشرح للرأي العام كيف حُسم، وما مصير القرار المتعلق بالدعم، وما الذي بقي قائماً منه وما الذي ألغي.
بين الطرفين توجد مساحة واسعة لا يكفي أن يملأها السياسيون بالاتهامات.
بنكيران يفتح جبهة ثانية: القرب من الملك ليس تفويضاً سياسياً
الأكثر حساسية في خطاب بوزنيقة لم يكن بالضرورة الهجوم على أخنوش.
ففي الجزء الآخر من كلمته، انتقل بنكيران إلى الحديث عن الملك ومستشاريه والمقربين منه. قال إن الملك «رمز» للمغاربة، وإن احترامه وتوقيره لا يعني تحويل الأشخاص المحيطين به إلى منطقة محظورة على النقد.
ثم وجه رسالة مباشرة: القرب من الملك، في نظره، لا ينبغي أن يصبح وسيلة لتخويف السياسيين أو المواطنين.
هذه ليست عبارة هامشية.
لأن بنكيران حاول أن يرسم فاصلاً بين المؤسسة الملكية وبين الأشخاص الذين يعملون في محيطها. وقال بوضوح إن المغاربة يحترمون الملك، «لكن الباقي مواطنون مثلنا»، وإن استخدام صفة المستشار أو المقرب لتخويف السياسيين أمر غير مقبول.
سياسياً، الرسالة واضحة: لا حصانة سياسية مستمدة من القرب الشخصي من الملك، بحسب التصور الذي قدمه بنكيران.
لكنها تفتح أيضاً سؤالاً أوسع: كيف يمكن في النظام السياسي المغربي التمييز عملياً بين نقد الأشخاص، ونقد القرارات، ونقد المؤسسة؟ وأين تبدأ المسؤولية السياسية للمستشارين والفاعلين المحيطين بمراكز القرار، وأين تنتهي؟
بنكيران لم يقدم في خطابه جواباً مؤسساتياً عن هذه الأسئلة. لكنه وضعها في الساحة.
التوقيت ليس تفصيلاً
يصعب فصل هذه اللهجة عن موعد الانتخابات.
المغرب يتجه إلى انتخابات مجلس النواب في 23 شتنبر 2026، وقد دخل المسار الانتخابي فعلياً مرحلة متقدمة؛ فإشعارات الناخبين بدأت في 24 غشت، بينما يبدأ إيداع الترشيحات في نهاية الشهر، وتنطلق الحملة الرسمية في 10 شتنبر.
أي أن خطاب بنكيران جاء قبل أيام من انتقال الأحزاب إلى الحملة الانتخابية الرسمية.
وهنا يتحول «260 مليار» من ملف مالي إلى مادة انتخابية بامتياز.
العدالة والتنمية لا يواجه حكومة فقط، بل يحاول استعادة مساحة سياسية فقدها بعد انتخابات 2021. وأخنوش، من جهته، يدخل نهاية الولاية الحكومية باعتباره رئيساً للحكومة ورئيساً سابقاً لحزب التجمع الوطني للأحرار، فيما تتجه الأحزاب إلى معركة جديدة على ثقة الناخبين.
لذلك فإن كل ملف يتعلق بالمال العام، والدعم، وتضارب المصالح، والثروة، لا يعود مجرد ملف تقني. يصبح سؤالاً انتخابياً: من يدير الدولة؟ ولصالح من؟
بنكيران يعيد «المعقول» إلى وسط المعركة
في الجزء الاجتماعي من خطابه، عاد بنكيران إلى قاموسه السياسي القديم: الفقراء، الإدارة، المدرسة، المستشفى، الحق في الحصول على الخدمات دون ابتزاز، والمواطن الذي يريد أن يطلق مشروعاً دون أن يصطدم بالعراقيل.
هذه النقطة قد تكون أهم من العبارات الأكثر صخباً.
فالرجل يحاول نقل المعركة من «أخنوش ضد بنكيران» إلى صورة أكبر: دولة يشعر فيها المواطن أن القانون يعمل بالطريقة نفسها على الجميع.
لكن هنا أيضاً تظهر مشكلة المعارضة.
فبنكيران يقول إن حزبه، إذا عاد إلى الحكومة، لن يقدم وعوداً لا يستطيع تنفيذها، وإنه يريد أولاً معرفة ما يريده المواطنون. وهو خطاب أكثر حذراً من لغة الوعود الانتخابية المفتوحة، لكنه سيواجه سؤال التجربة السابقة للحزب وما الذي يمكن أن يقدمه اليوم بصورة مختلفة.
فالناخب في 2026 لا يعيش فقط على ذاكرة بنكيران السياسي، ولا على غضبه من أخنوش.
إنه يقارن.
ما الذي أصبح على الطاولة؟
بنكيران رفع السقف، لكن رفع السقف ليس حُكماً.
إذا بقي ملف «260 مليار» داخل المهرجانات الخطابية، فسيتحول إلى ورقة انتخابية أخرى في مواجهة طويلة بين المعارضة والحكومة.
أما إذا انتقل إلى الوثائق والمساطر والبرلمان والجهات الرقابية والقضاء، فسيصبح شيئاً مختلفاً تماماً: اختباراً للمؤسسات، وليس فقط للأحزاب.
والشيء نفسه ينطبق على حديثه عن مستشاري الملك والمقربين منه. فالقضية لا تتعلق فقط بما إذا كان يحق لبنكيران انتقادهم؛ بل بما إذا كان المجال السياسي المغربي يستطيع أن يضع حدوداً واضحة بين النفوذ، والمسؤولية، والقرب، والمساءلة.
قبل أقل من شهر من الانتخابات، لم يعد بنكيران يتحدث فقط عن إسقاط حكومة أو استعادة موقع حزبه.
إنه يعيد إلى واجهة الحملة سؤالاً أقدم وأصعب: عندما يجتمع المال والنفوذ والقرار في المجال نفسه، من يراقب من؟
ذلك السؤال هو الذي سيبقى بعد أن تنتهي ضجة «المحكمة والسجن»، وبعد أن يهدأ الهتاف الانتخابي. لأن الاتهام السياسي يمكن أن يملأ الساحة في يوم واحد، لكن الإجابة عن تضارب المصالح لا يقدمها الميكروفون. تقدمها الوثيقة والمؤسسة والحكم.