بنوك المغرب ستبيع الديون المتعثرة.. ماذا سيحدث لمن عجز عن السداد؟

0
94

لم يعد الدين المتعثر في المغرب مجرد ملف ينتظر طويلاً داخل درج البنك. هناك سوق يجري بناؤها حوله، ومشروع قانون يريد أن يجعل من الدين الذي عجز صاحبه عن أدائه أصلاً قابلاً للبيع والشراء بين مؤسسات ومستثمرين.

في الظاهر، تبدو المسألة تقنية تخص تنظيف ميزانيات الأبناك. لكن خلف الأرقام توجد علاقة ستتغير بالنسبة إلى آلاف الأسر والمقاولات: من سيكون الطرف الذي يطالب المدين بالسداد عندما لا يعود البنك هو مالك الدين؟

هذا التحول لم يصبح واقعاً قانونياً بعد. المغرب يوجد في مرحلة إعداد الإطار التشريعي والتنظيمي لإنشاء سوق ثانوية للديون المتعثرة. مشروع القانون رقم 02.26 المتعلق بالتفويت المباشر للديون المتعثرة أُحيل إلى الأمانة العامة للحكومة، فيما تعمل السلطات بالتوازي على الجوانب الجبائية والقضائية والاحترازية.

لكن الإشارة الأوضح إلى أن المشروع ينتقل من الورق إلى السوق جاءت من الخارج.

في غشت الماضي، كشفت مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي عن مشروع لإنشاء آلية استثمارية في المغرب بقيمة تصل إلى 60 مليون يورو لشراء وإدارة القروض المتعثرة والأصول العقارية المسترجعة من المؤسسات المالية. وستشارك IFC ومجموعة EOS الألمانية بما يصل إلى 30 مليون يورو لكل طرف. المشروع، الذي يحمل رقم 52193، ما يزال في انتظار الموافقة، ومن المقرر عرضه على مجلس إدارة IFC في 15 أكتوبر 2026.

هنا تحديداً تبدأ القصة التي تهم المدين.

الدين لا يختفي عندما يُباع

بيع القرض المتعثر لا يعني إسقاط الدين ولا تخفيضه تلقائياً. الذي يتغير هو صاحب الحق في المطالبة به.

مشروع القانون ينص على أن تفويت الدين ينقل ملكيته إلى المشتري مقابل ثمن التفويت، ويمكن أن يشمل ديناً واحداً أو مجموعة من الديون. والأهم أن الضمانات والملحقات المرتبطة بالدين تنتقل معه وفق الإطار الذي يحدده القانون.

بمعنى آخر، إذا كان شخص قد حصل على قرض ثم أصبح عاجزاً عن الوفاء بأقساطه، فإن المشكلة التي كانت تُدار مع البنك يمكن أن تنتقل إلى جهة متخصصة في شراء وإدارة الديون المتعثرة.

وهذا ليس تفصيلاً إدارياً.

البنك يعرف زبونه، وله علاقة سابقة معه، وقد تكون لديه مصلحة في إعادة جدولة القرض أو الوصول إلى تسوية. أما المستثمر الذي يشتري محفظة من الديون، فدخوله إلى العملية يقوم أساساً على اقتصاد مختلف: يشتري أصلاً متعثراً بسعر يعكس احتمال تحصيله، ثم يحاول استرداد قيمة أكبر من السعر الذي دفعه.

ولهذا السبب تحديداً توجد شهية استثمارية لهذا النوع من الأصول.

لكن لا يصح اختزال المسألة في أن المستثمر «سيشتري الدين بخصم 70% ثم يطالب المدين بالمبلغ كاملاً» باعتبارها قاعدة ثابتة. سعر التفويت يختلف بحسب نوع المحفظة، وجود الضمانات، جودة الملفات، آجال التحصيل واحتمالات الاسترداد. مبلغ الـ60 مليون يورو الذي أعلنت عنه IFC وEOS هو رأس مال مخصص للاستثمار في الأصول المتعثرة، وليس قيمة اسمية للديون التي ستشتريانها. وقد يكون الحجم الاسمي للديون المقتناة أكبر من قيمة الاستثمار بسبب الخصومات في سوق الديون المتعثرة.

لماذا تريد الدولة هذا السوق؟

لأن المشكلة لم تعد صغيرة.

بلغ رصيد القروض المتعثرة في القطاع البنكي المغربي 102.3 مليار درهم في نهاية 2025، بزيادة 5%، رغم انخفاض وزنها النسبي قليلاً داخل إجمالي القروض من 8.4% إلى 8.3%. وبلغ معدل تغطيتها بالمخصصات نحو 68%.

هذه الأرقام تفسر لماذا تدفع Bank Al-Maghrib منذ سنوات باتجاه إنشاء سوق ثانوية للديون المتعثرة.

الفكرة بسيطة من الناحية المصرفية: عندما تبقى القروض غير المؤداة في ميزانيات البنوك لفترات طويلة، فإنها تستهلك رأس المال والموارد وتحد من قدرة المؤسسات على إعادة توجيه أموالها نحو قروض جديدة.

وقد أوضح بنك المغرب أن إنشاء السوق يستهدف تخفيض حجم هذه الديون وتحسين قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد. وصندوق النقد الدولي نفسه دعا في تقييمه للمغرب سنة 2026 إلى تسريع تفعيل السوق الثانوية للديون المتعثرة، مع استكمال القانون والتنظيمات المرتبطة بها.

إذن، من منظور الاستقرار المالي، هناك منطق واضح وراء الإصلاح.

لكن نجاحه لا يقاس فقط بعدد المليارات التي ستخرج من ميزانيات الأبناك.

الاختبار الحقيقي سيكون عند باب المدين

المسألة الأكثر حساسية ليست: هل تستطيع البنوك بيع ديونها؟

مشروع القانون صُمم تحديداً لإزالة العقبات القانونية أمام ذلك، بما فيها نقل ملكية الدين وضماناته، ومنح إمكانية اقتناء هذه الديون لجهات أوسع من المؤسسات البنكية التقليدية.

السؤال الأصعب هو: كيف ستتم حماية المدين عندما يصبح الطرف الذي يفاوضه مستثمراً متخصصاً في استرداد الديون؟

هنا تصبح فعالية القضاء، وقواعد الإشعار، وحماية البيانات الشخصية، وشفافية العقود، وحقوق المدين في الاعتراض أو التسوية، عناصر لا تقل أهمية عن القانون الذي يسمح ببيع الدين نفسه.

وبنك المغرب يعرف أن السوق لا يمكن أن تقوم على التفويت وحده. لذلك يجري العمل أيضاً على تسريع مساطر التحصيل القضائي، وعلى قواعد جبائية واحترازية مرافقة. كما أن مشروع الإصلاح يتضمن مقتضيات دقيقة حول هوية المدين، ومبلغ الدين، والفوائد، والضمانات، والتأمينات وغيرها ضمن عقد التفويت.

وهذا مهم، لأن السوق الجديدة قد تكون مفيدة إذا جعلت الدين المتعثر قابلاً للإدارة والتسوية بدل أن يبقى جامداً لسنوات. لكنها قد تصبح أكثر قسوة إذا تحول الهدف الوحيد إلى تعظيم التحصيل دون تطوير آليات عادلة لإعادة جدولة ديون الأشخاص الذين تعثروا بسبب فقدان العمل أو أزمة مؤقتة، وليس بسبب رغبة في عدم الدفع.

لذلك لا تكفي الإجابة بأن «الدائن الجديد سيخضع للقانون». القانون نفسه هو الذي سيحدد مقدار القوة التي يحصل عليها المشتري، ومقدار الحماية التي يحتفظ بها المدين.

من أزمة في ميزانية البنك إلى سوق قائمة بذاتها

المفارقة أن المغرب لا يبيع الديون لأن نظامه البنكي انهار. المؤشرات الإجمالية للقطاع لا تقول ذلك؛ فالبنوك ما تزال تتمتع بمستويات رأسمال وسيولة مريحة، بحسب تقييمات السلطات النقدية وصندوق النقد الدولي. المشكلة هي أن حجم الأصول المتعثرة أصبح كبيراً بما يكفي لتبرير إنشاء آلية جديدة للتعامل معها.

ولهذا فإن دخول IFC وEOS إلى المشهد لا ينبغي قراءته باعتباره «بيعاً لديون المغاربة للأجانب». الأدق أنه اختبار مبكر لسوق مالية جديدة يجري بناؤها في المغرب.

نجاحها سيعني أن البنوك تستطيع التخلص من جزء من الأصول المتعثرة، واستعادة مساحة أكبر للإقراض. أما نجاحها بالنسبة إلى المدينين، فسيتوقف على شيء آخر: هل ستنتقل الديون فقط من مالك إلى مالك، أم ستتطور معها أيضاً أدوات التسوية وإعادة الجدولة وحماية الطرف الأضعف؟

الخبر الحقيقي، إذن، ليس أن الدين المغربي أصبح قابلاً للبيع. هذه المرحلة كانت تُبنى منذ سنوات.

التحول الأعمق هو أن الدين المتعثر نفسه بدأ يتحول من مشكلة مصرفية إلى أصل مالي له سوق ومشترون وأسعار واستراتيجيات تحصيل. ومن اللحظة التي يحدث فيها ذلك، لن يكون السؤال فقط: من أقرض المواطن؟

بل أيضاً: من يملك الدين الآن، وكيف سيُدار عندما يصبح سلعة مالية؟