البام يرفع راية اقتصاد بلا ضغط ضريبي على الأسر.. 350 مليار درهم على الطاولة والسؤال: هل يكفي النمو لتمويل الوعود؟

0
118

في البرامج الانتخابية، تبدو الأرقام الكبيرة مغرية لأنها تمنح الوعود شكلاً قابلاً للقياس. لكن الرقم يصبح أكثر إثارة للاهتمام عندما يكشف طريقة التفكير التي تقف خلفه. وفي حالة حزب الأصالة والمعاصرة، الرقم الذي يلخص المعركة الاقتصادية المقبلة ليس فقط 350 مليار درهم، بل المعادلة التي يريد الحزب بناءها حول هذا المبلغ: إنفاق اجتماعي أكبر، نمو أسرع، ضرائب إضافية من دون تحميل الطبقة الوسطى أعباء جديدة، وعجز لا يتجاوز 3 في المائة.

هذا هو الرهان الذي وضعه الحزب في قلب «ميثاق النمو والاستدامة»، الذي قدمه ضمن برنامجه للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

الفكرة المركزية واضحة: لا يمكن تمويل وعود القدرة الشرائية والدولة الاجتماعية والأمن الاستراتيجي من الاقتصاد نفسه إذا ظل النمو قريباً من مستوياته السابقة. لذلك يرفع البام سقف الطموح إلى متوسط نمو سنوي يبلغ 5 في المائة بين 2027 و2031، مقابل نحو 3.7 في المائة خلال الفترة 2022-2025. ويقدر الحزب أن كل نقطة نمو إضافية يمكن أن تنتج نحو 53 ألف منصب شغل صاف، استناداً إلى مرونة تشغيل/نمو تبلغ 0.53.

لكن الحساب هنا لا يتوقف عند التشغيل.

الحزب يريد في الوقت نفسه إبقاء التضخم في حدود 2 في المائة، وعجز الميزانية عند سقف 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ووضع المديونية في مسار تنازلي وصولاً إلى نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في 2031. أي أن المعادلة لا تقوم على الاقتراض لتمويل الإنفاق، بل على اقتصاد ينمو بما يكفي لخلق الموارد التي تسمح بتمويله.

وهنا تحديداً توجد النقطة الأكثر حساسية في الميثاق.

النمو ليس نتيجة في هذا التصور فقط، بل أصبح جزءاً من خطة التمويل نفسها.

الحزب يقدر الكلفة الإضافية التراكمية لبرنامجه بنحو 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي حوالي 70 مليار درهم سنوياً. وتتوزع هذه الكلفة على 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 مليار لميثاق إدماج الشباب، و50 مليار لميثاق الأمان. ويقول الحزب إن برنامج التنمية المجالية المندمجة، بكلفة 130 مليار درهم خلال خمس سنوات، مدمج داخل هذه الاعتمادات وليس مبلغاً إضافياً عليها.

أما مصادر التمويل، فهي التي تكشف أكثر عن فلسفة البرنامج.

ثلاثمائة مليار درهم يفترض أن تأتي من الأثر الإضافي للنمو والمداخيل الجبائية، و40 ملياراً من مساهمة الجماعات الترابية عبر الاعتمادات المرتبطة بصندوق الضريبة على القيمة المضافة، و10 ملايير من إعادة تخصيص النفقات وتحسين النجاعة الميزانياتية. بذلك يعلن الحزب أن موارده المفترضة تغطي الكلفة الإجمالية البالغة 350 مليار درهم.

وهذا يعني أن المعركة ليست حول العثور على 350 مليار درهم في خزينة الدولة. إنها حول قدرة الاقتصاد على توليد موارد إضافية بهذا الحجم خلال ولاية واحدة.

البام يراهن هنا على تغيير بنية الاقتصاد أكثر مما يراهن على رفع معدلات الضرائب. توسيع الوعاء الضريبي، في تصوره، ينبغي أن يحدث عبر إدماج أنشطة اقتصادية في القطاع المهيكل، وتحسين المراقبة، وزيادة مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية، والاستفادة من الزيادة الطبيعية في المداخيل التي يفترض أن يحققها النمو.

والرسالة السياسية واضحة أيضاً: الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تُبنى على حساب الطبقة الوسطى.

هذه ليست تفصيلاً تقنياً. فالبرنامج يحاول الجمع بين مطلبين كثيراً ما يصطدمان في السياسات العمومية: حماية القدرة الشرائية من جهة، وتوفير موارد مالية إضافية للدولة من جهة أخرى. لذلك اختار الحزب أن يجعل النمو والإنتاجية وتوسيع الوعاء الضريبي بديلاً عن الضغط الجبائي المباشر على الأسر.

لكن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب تغييراً في الاقتصاد الحقيقي، لا في الجداول المالية وحدها.

ولهذا يضع الميثاق تسعة برامج هيكلية تبدأ بالتصنيع وتطوير سلاسل الإنتاج المستقبلية، ولا تتوقف عند تعويض جزء من الواردات بالإنتاج المحلي. هناك أيضاً تنمية المجالات القروية، والاستفادة من الاستثمار المرتبط بكأس العالم 2030، وتحرير المبادرة أمام المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، ومعالجة مشكلة انتقال المقاولات المتوسطة إلى مرحلة التوسع، وتسهيل ولوجها إلى الصفقات العمومية وتقليص آجال الأداء.

ويضيف الحزب إلى ذلك رفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء، وتطوير اقتصاد الرياضة، وتعزيز اقتصاد المعرفة والخدمات القابلة للتصدير.

بهذا المعنى، فإن «ميثاق النمو والاستدامة» ليس برنامجاً اقتصادياً بالمعنى الضيق. إنه محاولة لبناء السلسلة كاملة: استثمار، إنتاج، تشغيل، مداخيل، ثم إنفاق اجتماعي.

والفارق بين نجاح هذه السلسلة وفشلها قد يكون في التفاصيل التي لا تظهر في الرقم الكبير.

فرفع النمو من 3.7 إلى 5 في المائة ليس مجرد زيادة بـ1.3 نقطة. إنه افتراض بأن الاقتصاد المغربي يستطيع المحافظة على معدل أعلى بشكل مستمر لخمس سنوات، في وقت يظل فيه النمو مرتبطاً بعوامل مناخية وفلاحية وخارجية وجيوسياسية. كما أن تحويل النمو إلى 53 ألف منصب شغل صاف لكل نقطة إضافية يفترض بدوره أن القطاعات التي ستقود النمو ستكون قادرة على خلق وظائف بالوتيرة التي يتوقعها البرنامج.

وهنا تصبح نوعية النمو أهم من حجمه.

إذا جاء الجزء الأكبر من النمو من قطاعات عالية الإنتاجية ولكن ضعيفة التشغيل، فإن الحسابات المتعلقة بسوق العمل ستختلف. وإذا ظل الاقتصاد يعتمد على الواردات في أجزاء مهمة من حاجياته، فإن ارتفاع الطلب الداخلي قد لا يتحول كله إلى إنتاج محلي. وإذا لم تتحول المقاولات الصغيرة إلى مقاولات قادرة على التوسع، فإن الاستثمار العمومي وحده لن يكفي لبناء قاعدة تشغيل واسعة ومستدامة.

لذلك يبدو تركيز البرنامج على الصناعة والمقاولات الصغيرة والمتوسطة والاقتصاد القروي والخدمات القابلة للتصدير محاولة للإجابة مسبقاً عن هذا التحدي.

هناك أيضاً رهان على الزمن.

فالحزب يقترح مراجعة شاملة للنفقات العمومية خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية، مع تجميع البرامج والمؤسسات المتداخلة، ووضع سقف لنفقات التسيير غير ذات الأولوية، وافتحاص الاتفاقيات والعقود-البرامج. كما يريد إخضاع تنفيذ برنامجه لأهداف سنوية وعقود أداء ومراجعات نصف سنوية وتقييم مستقل للنتائج.

هذه الآلية مهمة لأن 350 مليار درهم ليست مجرد كلفة؛ إنها التزام سياسي موزع على خمس سنوات.

والاختبار، في النهاية، لن يكون في قدرة الحزب على تقديم رقم كبير أو وعد بنمو 5 في المائة. الاختبار سيكون في ماذا يحدث إذا لم يصل النمو إلى 5 في المائة؟

ماذا يتقلص أولاً؟ وما الذي يبقى محمياً؟ وهل يمكن الحفاظ في الوقت نفسه على الإنفاق الاجتماعي، وسقف العجز، ومسار الدين، والاستثمار العمومي؟

البرنامج لا يقدم في مادته المعلنة جواباً نهائياً عن كل هذه السيناريوهات، ولذلك يبقى هذا أحد أكبر هوامش الاختبار فيه.

لكن ثمة تحولاً يستحق الانتباه: البام لا يقدم النمو كهدف اقتصادي منفصل عن السياسة الاجتماعية، بل يجعله شرطاً لتمويلها. وهذا ينقل النقاش الانتخابي من سؤال «كم ستنفق الدولة؟» إلى سؤال أكثر صعوبة: «كيف ستنتج الدولة والاقتصاد الموارد التي ستنفقها؟»

هنا بالضبط يصبح شعار «اقتصاد بلا ضغط ضريبي على الأسر» أقل شبهاً بوعد انتخابي بسيط، وأكثر شبهاً بعقد اقتصادي كامل.

فإذا نجحت معادلة النمو والإنتاجية وتوسيع الوعاء الضريبي، يمكن أن يصبح الـ350 مليار درهم جزءاً من دورة اقتصادية توسع الموارد بدل أن تستنزفها. أما إذا بقي النمو دون المستوى المفترض، فقد تعود الأسئلة القديمة نفسها إلى الواجهة: من سيدفع ثمن الدولة الاجتماعية، وكيف ستوازن الدولة بين وعودها وقيود المالية العمومية؟

المعركة الحقيقية إذن ليست على 350 مليار درهم. إنها على قدرة الاقتصاد المغربي على إنتاجها دون أن يدفع ثمنها المواطن مرتين: مرة عبر الضرائب، ومرة عبر ضعف الخدمات أو تآكل القدرة الشرائية.