سانشيز يستبعد اتهام المغرب بأزمة سبتة.. ويصعّد في ملف السيادة بدعوة فيليبي السادس إلى زيارتها

0
81

مدريد ــ لم يخرج بيدرو سانشيز، الخميس، أمام مجلس النواب الإسباني باتهام المغرب بالوقوف وراء أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة المحتلة في نهاية يوليوز. حدث العكس تقريباً.

رئيس الحكومة الإسبانية قال بوضوح إن مدريد لا تملك «أدلة قوية» تثبت أن المغرب خطط أو دبر تدفق المهاجرين نحو المدينة، أو أن جهة مغربية تولت تنسيق العملية. لكن هذا التبرؤ الرسمي لم يؤد إلى تهدئة كاملة في ملف سبتة. ففي الجلسة نفسها، كشف سانشيز أن الحكومة الإسبانية استدعت السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، في 21 غشت، بسبب تصريحات لمسؤولين مغاربة حول وضع سبتة ومليلية.

وفي اللحظة نفسها تقريباً، فتح رئيس الحكومة الإسبانية باباً آخر أكثر حساسية: دعا الملك فيليبي السادس إلى زيارة المدينتين خلال الأسابيع المقبلة.

بهذا الترتيب تحديداً جاءت الرسالة الإسبانية. أزمة الهجرة لم تُربط رسمياً بالرباط، لكن ملف السيادة لم يُترك خارج النقاش.

كان من السهل، خلال الأسابيع الماضية، أن تتداخل القضيتان في الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني. تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين نحو سبتة في 30 و31 يوليوز أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً حول دور الأجهزة المغربية في مراقبة محيط المدينة، خصوصاً أن وصول المهاجرين وقع في ظروف استثنائية وأثار تساؤلات بشأن مستوى الانتشار الأمني على الجانب المغربي.

ثم ظهرت، الأربعاء، وثيقة نُسبت إلى الشرطة الإسبانية، وتحدثت وسائل إعلام عن انتشار «أقل بكثير من المعتاد» لعناصر الأمن المغربي، وعن مزاعم بشأن نوع من التساهل في التعامل مع المهاجرين.

لكن الوثيقة لم تصمد طويلاً أمام النفي الرسمي. مدير الشرطة الإسبانية نفى وجودها، وهو ما أسقط جزءاً مهماً من المادة التي كانت تُستخدم لإسناد فرضية التدبير المغربي المتعمد.

وفي اليوم التالي، جاء موقف سانشيز أكثر وضوحاً أمام البرلمان: لا توجد لدى الحكومة الإسبانية أدلة قوية تثبت أن المغرب خطط أو دبر تدفق المهاجرين.

هذه نقطة يصعب تجاوزها عند قراءة الأزمة، لأنها صادرة عن رئيس الحكومة نفسها، وفي جلسة برلمانية يفترض أن يقدم فيها تفسيراً لموقف السلطة التنفيذية أمام النواب. وهي، في الحد الأدنى، تعني أن الرواية التي تجعل الرباط الجهة التي خططت للعملية لم تتحول إلى استنتاج رسمي لدى مدريد.

لكن ذلك لا يعني أن كل الأسئلة المتعلقة بما حدث قد أُغلقت.

فالهجرة شيء، والسيادة شيء آخر.

سانشيز حرص على الفصل بينهما عندما انتقل إلى تصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، وكلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق أمام الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المولد النبوي.

بحسب ما عرضه رئيس الحكومة الإسبانية، تضمنت التصريحات تأكيداً على حقوق المغرب في سبتة ومليلية. ولهذا السبب، قال إن مدريد رفضتها بشكل قاطع، واستدعت السفيرة المغربية لإبلاغها بموقف الحكومة الإسبانية.

الاستدعاء هنا ليس تفصيلاً إجرائياً عادياً، لكنه أيضاً لا يعني بالضرورة انتقال العلاقات بين البلدين إلى أزمة دبلوماسية شاملة. فمدريد اختارت الاحتجاج عبر قناة دبلوماسية معروفة، بينما أبقت في الوقت نفسه على الرواية التي تفصل بين الخلاف حول السيادة وبين مسؤولية المغرب عن أزمة الهجرة.

وهذا الفصل مهم بالنسبة إلى سانشيز نفسه.

فالاعتراف بوجود دليل على تدبير مغربي لأزمة الهجرة كان سيضع الحكومة الإسبانية أمام ملف مختلف تماماً، خصوصاً في ظل اعتماد مدريد خلال السنوات الأخيرة على التعاون مع الرباط في مكافحة الهجرة غير النظامية ومراقبة الحدود. أما القول بعدم وجود أدلة قوية، فيبقي القضية في إطار أزمة هجرة لم تُحسم كل ملابساتها، بدلاً من تحويلها إلى مواجهة مباشرة مع المغرب.

في المقابل، لم يتعامل سانشيز مع تصريحات المسؤولين المغاربة بالليونة نفسها.

هنا انتقل النقاش من حركة المهاجرين إلى الخريطة السياسية.

سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين حدوديتين في السياسة الإسبانية. وضعهما يمثل منذ عقود أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة مع المغرب، وكل تصريح مغربي بشأن السيادة عليهما قابل لأن يتحول داخل إسبانيا إلى قضية سياسية تتجاوز صاحبه.

ولهذا جاءت دعوة سانشيز للملك فيليبي السادس لزيارة المدينتين في توقيت لافت.

الزيارة، إذا تمت، ستكون ذات حمولة رمزية واضحة. آخر زيارة لملك إسباني إلى سبتة ومليلية تعود إلى نونبر 2007، عندما زار خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا المدينتين، في خطوة أثارت آنذاك أزمة دبلوماسية حادة مع المغرب.

منذ ذلك الحين، لم يكرر العرش الإسباني الزيارة.

أن يدعو سانشيز اليوم فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، بعد أيام من أزمة الهجرة وبعد استدعاء السفيرة المغربية، يعني أن مدريد تريد إعادة تثبيت حضور الدولة الإسبانية في الملف. لكن من الصعب، استناداً إلى المعطيات المتاحة وحدها، الجزم بأن الدعوة تعني قراراً نهائياً بزيارة وشيكة أو أنها مقدمة لمواجهة دبلوماسية جديدة مع الرباط.

الملك لم يعلن، في المعطيات التي استند إليها سانشيز، موعداً للزيارة.

وهذه المسافة بين الدعوة والتنفيذ مهمة.

فالسياسة الإسبانية تجاه المغرب خلال السنوات الأخيرة قامت على محاولة الجمع بين المصالح الأمنية والاقتصادية وبين إدارة الخلافات السياسية، خصوصاً قضية سبتة ومليلية. وفي أزمة يوليوز، ظهر هذا التناقض مرة أخرى: مدريد تحتاج إلى التعاون مع الرباط في ملف الهجرة، لكنها لا تريد أن يبدو هذا التعاون وكأنه يفتح الباب أمام التنازل عن خطابها السيادي بشأن المدينتين.

ولذلك بدا موقف سانشيز أمام البرلمان مزدوج الاتجاه، من دون أن يكون بالضرورة متناقضاً.

في ملف الهجرة، لم يوجه اتهاماً رسمياً إلى المغرب لغياب الأدلة القوية التي تبرره.

وفي ملف السيادة، رفع مستوى الاعتراض على تصريحات المسؤولين المغاربة، ثم استحضر المؤسسة الملكية الإسبانية نفسها من خلال دعوة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية.

أما ما حدث فعلياً في 30 و31 يوليوز، فما زال يحتاج إلى فصل الوقائع الثابتة عن الروايات السياسية التي ظهرت بعده. التدفق حدث. الضحايا والمفقودون جزء من وقائع الأزمة. وطرح أسئلة حول جاهزية الحدود المغربية أمر قائم. لكن الانتقال من هذه المعطيات إلى القول إن العملية كانت مخططة من طرف الرباط يحتاج إلى أدلة لم يقل سانشيز إن حكومته تملكها.

وهنا يصبح تصريح رئيس الحكومة الإسبانية مهماً، ليس لأنه أنهى الجدل، بل لأنه وضع حداً، على الأقل رسمياً، لأقوى اتهام كان يطفو فوقه: أن المغرب خطط للأزمة.

لكن في المقابل، لم يغلق سانشيز ملف سبتة.

لقد نقل مركز الثقل منه: من سؤال «من دبر تدفق المهاجرين؟» إلى سؤال أكثر مباشرة في السياسة الإسبانية: كيف ستتعامل مدريد مع تصريحات مغربية تعيد التأكيد على حقوق المغرب في المدينتين؟

استدعاء السفيرة كان الجواب الدبلوماسي الأول.

ودعوة الملك فيليبي السادس قد تكون الخطوة الرمزية التالية، إذا تحولت من دعوة سياسية إلى زيارة فعلية.

أما العلاقة مع الرباط، فتبدو حتى الآن محكومة بمحاولة إبقاء الملفين منفصلين: التعاون في الهجرة من جهة، والخلاف حول سبتة ومليلية من جهة أخرى. وما إذا كان هذا الفصل سيصمد، سيتوقف بدرجة كبيرة على ما ستفعله مدريد بعد تصريحاتها، وعلى ما إذا كانت زيارة الملك ستنتقل من مستوى الاقتراح إلى مستوى القرار.