بنعبد الله يضع التقدم والاشتراكية أمام اختبار الانتخابات: بديل سياسي أم رجة في الخريطة المقبلة؟

0
65

لا يتعامل محمد نبيل بنعبد الله مع الانتخابات المقبلة باعتبارها محطة أخرى في دورة انتخابية عادية. في حديثه لوكالة المغرب العربي للأنباء، يضع الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية رهانه في صيغة أكثر اتساعاً: مشاركة انتخابية قوية يمكن أن تفتح الطريق أمام تغيير في السياسات العمومية، والحزب يريد أن يكون أحد القوى القادرة على حمل هذا التغيير إلى المؤسسات.

الدعوة التي وجهها بنعبد الله إلى الانخراط الإيجابي في الاستحقاقات المقبلة ترتبط عنده بفكرة “القطيعة مع الوضع القائم”، من خلال دعم قوى سياسية تحمل، بحسب تعبيره، طموحاً جدياً لتغيير السياسات العمومية وتأسيس مسار سياسي واقتصادي جديد يعود بالنفع على مختلف فئات المواطنين. لكنه لا يقدم هذه القطيعة كقفزة مجهولة الوجهة، بل يربطها بالانتخابات نفسها وبقدرة الناخبين على تحويل صناديق الاقتراع إلى وسيلة لاختيار بدائل سياسية.

هذا التفصيل مهم لأن الحزب لا يكتفي في حديثه عن المرحلة المقبلة بانتقاد الوضع السياسي والاجتماعي، وإنما يحاول تقديم نفسه كجزء من الحل الذي يقترحه. بنعبد الله يقول بوضوح إن التقدم والاشتراكية يريد أن يكون “بديلا سياسيا قادرا على كسب رهان المرحلة”، وهي صيغة تضع الحزب أمام اختبار أكبر من مجرد الحفاظ على حضوره البرلماني.

ويظهر هذا الرهان أيضاً في الطريقة التي يتحدث بها عن أسماء المرشحين. فالحزب، وفق أمينه العام، راهن في إعداد لوائحه لتغطية مختلف الدوائر الانتخابية على نخب سياسية متجددة، تضم أساساً الطاقات الشابة والنساء والأطر والكفاءات، إلى جانب الفاعلين الجمعويين والمناضلين الذين راكموا تجربة ميدانية.

لكن بنعبد الله يتوقف عند معيار محدد أكثر من غيره: “الاستقامة ونظافة اليد”. وهو لا يقدمه كشعار انتخابي منفصل عن طريقة خوض الانتخابات، بل يربطه مباشرة برغبة الحزب في الابتعاد عن الممارسات التي يكون هدفها الحصول على المقاعد من دون مراعاة أخلاقيات العمل السياسي.

في انتخابات تتداخل فيها البرامج مع صورة المرشح، ويصبح الاختيار المحلي في كثير من الدوائر مرتبطاً بشخصية المتنافس بقدر ارتباطه باسم الحزب، فإن الحديث عن نوعية النخب لا يبقى تفصيلاً تنظيمياً. غير أن نجاح هذا الرهان لا يملكه الحزب وحده. بنعبد الله نفسه يعيده إلى الناخبين، معتبراً أن وصول هذه الكفاءات والوجوه الجديدة إلى المؤسسات يظل مرتبطاً بالمشاركة المكثفة والتصويت الواعي، ولذلك يجدد دعوته إلى القطع مع العزوف الانتخابي.

هذه النقطة تكشف جانباً آخر من رهانه. فالحزب يريد تغييراً في الخريطة السياسية، لكنه يحتاج أولاً إلى ناخب حاضر في العملية الانتخابية. والحديث عن “الرجة” التي يتوقعها بنعبد الله في حال تسجيل مشاركة واسعة لا ينفصل عن هذا الشرط.

في نهاية حديثه، يستخدم الأمين العام تعبيراً أكثر وضوحاً عن سقف الطموح: يريد مشاركة واسعة تحدث “رجة” تضع التقدم والاشتراكية في الصفوف الأمامية للمشهد السياسي، وتفتح الباب أمام بديل ديمقراطي “لا يترك أحدا على هامش التنمية”. لا توجد، بطبيعة الحال، نتيجة انتخابية يمكن أن تسمح مسبقاً بالحكم على إمكانية تحقق هذا الطموح. ما يوجد هو حزب معارض يرفع سقف رهانه، ويطلب من الناخب أن يمنحه الوسيلة الانتخابية التي تسمح بتحويل هذا الرهان إلى حضور مؤسساتي أقوى.

وتزداد المسافة بين الطموح والواقع وضوحاً عندما ينتقل بنعبد الله إلى تقييم الحكومة الحالية. فهو يتحدث عن حالة من “الرفض” الشعبي وعدم الثقة، ويربطها بغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى ما يعتبره ضعفاً في قدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث أثر إيجابي ملموس في الحياة اليومية للمغاربة.

هذه القراءة هي التي تمنح المعارضة التي يتحدث عنها الحزب مضمونها السياسي. فبنعبد الله لا يكتفي بالقول إن الحكومة أخطأت في تدبير بعض الملفات، بل يربط حصيلة المرحلة بمسألة أوسع تتعلق بما يلمسه المواطن في معيشه اليومي. الأسعار والقدرة الشرائية وفاعلية المؤسسات تصبح، في هذا التقييم، عناصر يمكن أن تؤثر في الحكم على التجربة الحكومية وعلى الاختيار الانتخابي المقبل.

والحزب يدخل هذه المواجهة السياسية مستنداً إلى السنوات الخمس الأخيرة التي قضاها في المعارضة. بنعبد الله يصفها بأنها معارضة “مسؤولة ووطنية وديمقراطية”، ويقدمها كرصيد سياسي للحزب، مستشهداً بمواقفه من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ومن غلاء الأسعار وما يعتبره انحرافات في تدبير عدد من الملفات.

لكن المعارضة، مهما طال حضورها، لا تتحول تلقائياً إلى أهلية للحكم. ولذلك كان لافتاً أن بنعبد الله ينتقل من الدفاع عن حصيلة حزبه في المعارضة إلى إعلان جاهزيته لتحمل مسؤولية تسيير الشأن الحكومي. فهو يرى أن التقدم والاشتراكية يمتلك المؤهلات والخط السياسي الواضح والجريء الذي يسمح له بذلك، ويضيف إلى هذا الرهان قدرة الحزب على التكيف مع الواقع المغربي والثوابت الدستورية في إطار التطور التدريجي الذي يشهده المغرب، من دون التخلي عن مرجعيته اليسارية التقدمية.

هذه الصيغة تجمع بين عنصرين يحاول الحزب إبراز قدرته على التوفيق بينهما: مرجعية يسارية تقدمية من جهة، والعمل داخل الثوابت الدستورية والواقع السياسي المغربي من جهة أخرى. وهي أيضاً محاولة لتقديم الحزب كقوة سياسية تستطيع الانتقال من المعارضة إلى المسؤولية الحكومية من دون أن ترى في هذا الانتقال تنازلاً عن هويتها السياسية.

وبين الانتخابات والحكومة، يوسع بنعبد الله زاوية حديثه إلى المغرب الذي يستعد لاستحقاقات رياضية دولية كبيرة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030 الذي ستنظمه المملكة بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال. بالنسبة إليه، الأمر لا يتعلق فقط بمباريات وملاعب ومدن محتضنة للمنافسات، وإنما بحدث عالمي يجعل المغرب “في مرآة جميع شعوب العالم”.

لكن الصورة التي يريدها الحزب للمغرب في هذه المناسبة لا تتوقف عند المنشآت الرياضية أو المدن التي ستستقبل الجماهير والمنتخبات. بنعبد الله يريد أن تمتد إلى ما يعتبره حقيقة التقدم في الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمجالية في مختلف أنحاء البلاد.

وهذا الربط بين الاستحقاق الرياضي والاختبار السياسي يكشف جانباً من تصوره للمرحلة المقبلة. المغرب سيكون تحت أنظار دولية واسعة، لكن الصورة التي ستتكون عنه، وفق هذا الطرح، لن تصنعها الملاعب وحدها. ما يجري خارجها، في علاقة المواطن بالمؤسسات وفي توزيع فرص التنمية وفي الحقوق الاجتماعية والمجالية، سيكون جزءاً من الصورة أيضاً.

مع ذلك، فإن كل هذه الرهانات تعود في النهاية إلى الانتخابات. الحزب يريد نخباً جديدة، ويريد مشاركة واسعة، ويرى أن أداء الحكومة الحالية خلق حالة من عدم الثقة، ويقدم السنوات الخمس التي قضاها في المعارضة باعتبارها دليلاً على طبيعة ممارسته السياسية. وفي الوقت نفسه يعلن أنه لا يريد الاكتفاء بدور المعارضة، بل يطمح إلى تحمل مسؤولية تدبير الشأن الحكومي.

المسافة بين هذا الطموح وبين ما ستفرزه صناديق الاقتراع لا تزال مفتوحة. الأرقام الانتخابية وحدها هي التي ستحدد حجم الحضور الذي يستطيع الحزب أن يفرضه في مجلس النواب المقبل، ثم طبيعة موقعه داخل الخريطة السياسية التي ستتشكل بعد ذلك.

أما “الرجة” التي يتحدث عنها بنعبد الله، فهي في هذه المرحلة ليست نتيجة معلنة، وإنما هدف انتخابي صريح. والحزب يضع شروطه أمام الناخب كما يراها: مشاركة واسعة، تصويت واع، ووجوه سياسية يقول إنه اختارها على أساس الكفاءة والاستقامة ونظافة اليد. بعد ذلك ستتكفل النتائج بتحديد ما إذا كان هذا الرهان سيمنح التقدم والاشتراكية موقعاً في الصفوف الأمامية، أم سيبقيه في الموقع الذي اعتاد عليه خلال المرحلة الماضية.