من زاكورة.. لقجع يضع «البام» أمام امتحان الوعود: الجامعة والماء وفك العزلة والقدرة الشرائية

0
86

في زاكورة، لم يبدأ فوزي لقجع حديثه من الأرقام الكبيرة التي يحملها البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، ولا من كلفة الـ350 مليار درهم التي أعلن الحزب تخصيصها لخمس سنوات مقبلة. بدأ من مشكلة محلية سمعها، كما قال، وهو في الطريق إلى اللقاء: إقليم يضم ساكنة تقارب 400 ألف نسمة، ولا يتوفر أبناؤه على نواة جامعية تتيح لهم متابعة الدراسة العليا بالقرب من أسرهم.

قد تبدو المسألة في ظاهرها مطلباً محلياً. لكن إدخالها في قلب العرض الانتخابي يجعل السؤال أكبر من إنشاء مؤسسة جامعية في زاكورة: كيف يريد حزب يطلب ثقة المغاربة أن يتعامل مع مناطق لا تصلها التنمية بالسرعة نفسها التي تصل بها إلى المراكز الكبرى؟

لقجع، عضو المكتب السياسي لـ«البام» والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، قال إن ملف التعليم الجامعي والخصاص التنموي في الإقليم سيُطرح على طاولة الحكومة ابتداء من اليوم الموالي، رابطاً ذلك بما يعتبره الحزب التزاماً بخدمة المواطنين وتحويل حاجياتهم إلى إجراءات عملية.

لكن زاكورة لا تختصر مشكلتها في الجامعة.

حين انتقل الحديث إلى الماء والفلاحة، بدا أن البرنامج يلامس واحداً من أصعب الملفات التي يمكن أن تواجه أي حكومة مقبلة. اقتصاد الواحات لا يعيش فقط على توفر الماء، بل على استمرار توازن دقيق بين الموارد المائية والنشاط الفلاحي واستقرار السكان. لذلك تحدث لقجع عن حلول مستدامة للموارد المائية وعن ضرورة حماية النشاط الفلاحي وضمان حاجيات السكان.

ومن الماء إلى الطرق.

فك العزلة، في الخطاب الذي قدمه لقجع، ليس مجرد تحسين للربط بين الجماعات والمراكز. الطريق تعني وصول الأشخاص والسلع، لكنها تعني أيضاً قدرة النشاط الاقتصادي المحلي على الخروج من جغرافيته الضيقة. ولهذا تحدث عن مناطق تعرف ضعفاً في الربط، وعن مشاريع محلية قال إنها تعرضت للتعثر، داعياً إلى ألا تبقى التنمية محصورة في مراكز بعينها.

هنا تصبح زاكورة اختباراً عملياً لفكرة يكررها «البام» في برنامجه: أن التنمية لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم ما يُنجز على المستوى الوطني، وإنما بقدرة المواطن في الإقليم البعيد على لمس أثرها في حياته اليومية.

والحزب يقول إنه لم يضع هذه الالتزامات منفصلة عن الحسابات المالية. البرنامج الانتخابي الرسمي يقسم تصور «البام» إلى خمسة مواثيق، في مقدمتها ميثاق القدرة الشرائية بكلفة معلنة تبلغ 150 مليار درهم، ثم ميثاق إدماج الشباب، وميثاق المواطنة، وميثاق الأمان، إلى جانب برامج هيكلية للنمو والاستدامة.

في زاكورة، أعاد لقجع تقديم هذه الفكرة بلغة انتخابية مباشرة: البرنامج، بالنسبة إليه، هو «الكونطرا» الذي يجمع الحزب بالمواطنين.

وهذه العبارة تضع الحزب أمام معيار مختلف عن مجرد تقديم وعود. فالتعاقد السياسي يفترض أن تكون الالتزامات قابلة للقياس والمساءلة بعد الانتخابات، لا أن تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحملة.

ومن هنا عاد لقجع إلى القدرة الشرائية، وهي القضية التي تشكل أحد المحاور الرئيسية في البرنامج.

التعهد برفع الحد الأدنى لمعاشات المتقاعدين إلى 3000 درهم شهرياً، ورفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، إلى جانب إجراءات تستهدف الأسعار والأجور، ليس جديداً في جولة «البام» الانتخابية؛ فقد سبق أن قدم الحزب هذه الالتزامات في لقاءات سابقة، وربطها بميثاق القدرة الشرائية.

الجديد في زاكورة أن هذه الوعود وُضعت إلى جانب مطالب تبدو شديدة المحلية: جامعة، ماء، طرق، تجهيزات، فلاحة وواحات.

وهذا الجمع مهم لأن المواطن لا يتعامل مع القدرة الشرائية باعتبارها رقماً منفصلاً عن المكان الذي يعيش فيه. قيمة الدعم أو المعاش أو الأجر تتغير عملياً بحسب كلفة النقل، وبعد الخدمات، وفرص العمل، وتوفر التعليم، والولوج إلى الصحة والأسواق. لذلك فإن الحديث عن تحسين الدخل لا ينفصل تماماً عن الحديث عن فك العزلة والاستثمار في البنيات الأساسية.

لقجع نفسه أقر بأن المجهودات المالية التي بذلت خلال السنوات السابقة لم تمنع ارتفاع كلفة المعيشة من امتصاص جزء من أثرها، وهو ما يستخدمه «البام» لتبرير إعطاء القدرة الشرائية موقعاً متقدماً في برنامجه. وفي البرنامج الرسمي، يخصص الحزب 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، ضمن كلفة إضافية إجمالية تناهز 350 مليار درهم خلال خمس سنوات.

لكن الرقم الكبير لا ينهي النقاش؛ يبدأه.

فكل التزام مالي يحتاج إلى مصدر تمويل، وكل مشروع اجتماعي يحتاج إلى قدرة تنفيذية، وكل وعد محلي يدخل في النهاية ضمن حسابات الميزانية الوطنية وتوزيع الاستثمارات بين الجهات. ولهذا ركز لقجع في أكثر من لقاء انتخابي على أن البرنامج، حسب عرضه، لم يُبنَ على وعود منفصلة عن الإمكانات، وأن كلفة الإجراءات ومصادر تمويلها كانت جزءاً من إعداد البرنامج. وقد سبق أن عرض الحزب تقديراً إجمالياً يبلغ 70 مليار درهم سنوياً في المتوسط لتنفيذ الالتزامات الإضافية خلال الفترة 2027-2031.

في زاكورة، لم يكن النقاش حول التمويل نظرياً تماماً. فحين يطلب إقليم جامعة وطرقات وماء وتجهيزات، تصبح أرقام البرنامج مرتبطة مباشرة بالسؤال عن الأولويات: ماذا يُنفذ أولاً؟ وما الذي يمكن إنجازه في السنوات الأولى؟ وكيف تُوزع الموارد بين الأقاليم التي تحمل مطالب مشابهة؟

لقجع لم يقدم في اللقاء جواباً تفصيلياً عن ترتيب هذه المشاريع داخل الإقليم، لكنه قدم المبدأ الذي يقول إن التشخيص ينبغي أن يسبق الحل، وإن تحديد الحل ينبغي أن يرتبط بوسائل تمويله.

كما عاد إلى الخلفية السياسية للحزب، مذكراً بأن الأصالة والمعاصرة سبق أن حل ثانياً في استحقاقات انتخابية دون أن يقود الحكومة. واليوم، يقول الحزب إنه يريد الانتقال من موقع المشاركة إلى موقع يسمح له بتدبير المرحلة المقبلة وفق برنامجه.

ذلك الانتقال لا تحسمه الخطب، وإنما صناديق اقتراع 23 شتنبر.

ولهذا دعا لقجع سكان زاكورة إلى المشاركة والتصويت، مقدماً البرنامج باعتباره أساساً للحكم على الحزب وعلى المسؤولين الذين قد يحصلون على ثقة الناخبين.

أما بالنسبة إلى زاكورة، فالقائمة التي حملها اللقاء كانت واضحة بما يكفي: جامعة لأبناء الإقليم، ماء يحافظ على الواحات والفلاحة، طرق تفك العزلة، تجهيزات تتجاوز المراكز، وإجراءات يفترض أن تخفف ضغط الأسعار على الأسر والمتقاعدين.

كل ذلك يدخل الآن في خانة الالتزامات المعلنة. وما سيجعلها أكثر من ذلك، في حال حصل «البام» على فرصة التدبير، هو ما سيظهر بعد الانتخابات: أي مشروع سيبدأ، بأي تمويل، وفي أي أجل، ومن سيحاسب على تأخره إذا بقيت زاكورة تنتظر.