حين يعيد الذكاء الاصطناعي اختراع ذاكرتنا: لماذا نعود إلى صورنا القديمة؟

0
82
صورة شخصية معدلة بواسطة الذكاء الاصطناعي تعكس جو الثمانينيات، كنموذج لموضوع المقال
صورة شخصية معدلة بواسطة الذكاء الاصطناعي تعكس جو الثمانينيات، كنموذج لموضوع المقال

هذه الصورة ليست، بالنسبة لي، مجرد صورة تعود إلى سنوات الثمانينيات، كما أنجزها الذكاء الاصطناعي، بل صورة تقف في منطقة ملتبسة بين ما كان، وما نتمنى أن يكون، وما أصبح ممكنا اليوم أن نتخيله وكأنه كان. وربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة في ظاهرة الصور التي يصنعها الناس لأنفسهم بالذكاء الاصطناعي: أننا نستخدم أكثر تقنيات الحاضر حداثة لكي نعود إلى زمن مضى، ونستعيد وجها من وجوهنا لم يعد موجودا إلا في الذاكرة، أو في ألبوم قديم، أو في صورة باهتة، أو حتى في خيالنا. في آخر المطاف

لماذا يفعل الناس ذلك بكثافة هذه الأيام؟

قد يبدو الجواب الأول سهلا: الحنين. فنحن نشتاق إلى الشباب، إلى الثمانينيات والتسعينيات، إلى الملابس والموسيقى والأثاث والألوان، إلى شكل المدن والشوارع، إلى زمن لم تكن فيه الحياة محكومة بهذا السيل المتواصل من الشاشات والإشعارات والصور الرقمية. لكن اختزال الظاهرة في الحنين وحده لا يكفي. فالحنين، في الحقيقة، ليس سوى الطبقة الأولى من ظاهرة نفسية واجتماعية وثقافية أكثر تعقيدا. فالإنسان لا يحنّ دائما إلى الماضي كما عاشه فعلا، إذ كثيراً ما يحنّ إلى الصورة التي كوّنها عن ذلك الماضي بعد أن غادره. وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي لعبته الغريبة.

لا يعيد الذكاء الاصطناعي إلينا الماضي بالضرورة، بل يمنحنا إمكانية إعادة تركيبه، يستطيع أن يأخذ ملامحنا الحالية، أو صورة قديمة، أو بعض التفاصيل التي نتذكرها، ثم يبني منها زمنا بصريا متخيلا: الملابس، الشعر، الإضاءة، المكان، الألوان، المعالجة الفوتوغرافية، نوع الكاميرا، وحتى الأخطاء الصغيرة التي كانت تمنح الصور القديمة صدقيتها. وبذلك لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لمعالجة الصورة، وإنما يتحول إلى نوع من آلة للذاكرة. لكنها آلة ذاكرة خطيرة ومثيرة في الوقت نفسه، لأنها لا تسألنا عما حدث؟ وإنما تسمح لنا بأن نسأل: كيف كنتُ أريد أن أتذكر ما حدث؟ وهذا فرق جوهري.

في الصورة القديمة التقليدية، كان الماضي يفرض نفسه علينا. صورة التقطت في لحظة معينة، بملابس معينة، وفي مكان معين، وبإضاءة ربما لم تكن مثالية، وبوجه ربما لم نكن راضين عنه يومها. كانت الصورة وثيقة صغيرة لا نستطيع تعديلها بسهولة. أما اليوم، فقد أصبح بإمكاننا العودة إلى تلك اللحظة وإعادة إخراجها كما لو أننا مخرجون لماضينا الشخصي. وهنا تتحول الصورة من وثيقة إلى تخييل.

الرغبة في تشييد نموذج بصري مثالي عن ذواتنا في الصور:

في الصور المعدلة بواسطة الذكاء الاصطناعي، لا نستعيد الصور الأمثل لشبابنا فقط وما نريد أن نراه نحن والآخرون، بل نستعيد احتمالا بصريا مثاليا عن ذواتنا بشكل أساس، هناك إذن سبب نفسي واجتماعي أعمق وراء انتشار هذه الصور. وحين يرى الإنسان نفسه شابا، فإنه لا يرى وجهه القديم فقط، بقدر ما يرى احتمالات الذات التي كان يمكن أن يكونها. تحمل الصور القديمة أسئلة لا تظهر في سطحها: ماذا كنت أحلم أن أصبح؟ ماذا كنت أعتقد أن الحياة ستكون؟ من هم الأشخاص الذين كانوا يحيطون بي؟ ماذا بقي من ذلك الشخص في داخلي؟ وما الذي تغير بين ذلك الوجه اليوم؟

ولهذا يمكن للصورة التي يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاجها أن تعمل كنوع من الحوار الداخلي مع الذات الماضية. فنحن لا ننظر فقط إلى شاب أو شابة في الثمانينيات أو التسعينيات، ننظر إلى أنفسنا قبل أن تحمل السنوات ما حملته، ويفعل بنا الزمن ما فعله، وقبل أن نعرف ما عرفناه لاحقا. ولذلك فإن هذه الصور تستدعي شيئا يتجاوز الجمال والشباب: تستدعي الزمن الذي لم نكن نعرف فيه بعد كيف ستنتهي الحكاية؟

ربما لذلك تبدو صور الشباب مؤثرة حتى بالنسبة إلى أشخاص لم يكونوا في ذلك الوقت سعداء تماما. فالحنين ليس بالضرورة حنينا إلى السعادة. أحيانا نشتاق إلى جهلنا بالمستقبل. نشتاق إلى أنفسنا قبل أن نعرف خساراتنا. قبل أن نعرف الموت. قبل أن نفقد أصدقاء وأحبة. قبل أن تتغير المدن. قبل أن تتباعد الوجوه. وقبل أن نكتشف أن الزمن الذي كنا نعتقد أنه طويل جدا كان، في الحقيقة قصيرا وعابرا.

كيف تعيد الصورة القديمة إلينا وجها لم نعد نستطيع رؤيته في المرآة:

تقول لنا المرآة كل مرة وبالكثير من الصدق الجارح أحيانا: هذا أنت الآن. أما الصورة التي تعود إلى الماضي فتقول: هذا أنت أيضا. وبين الجملتين مسافة هائلة. يعيش الإنسان المعاصر زمنا أصبح فيه الوجه واحدا من أكثر الأشياء عُرضة للنظر والمراقبة والتقييم. نحن نرى وجوهنا باستمرار عبر الهواتف والكاميرات والمنصات الرقمية. نلتقط صورا أكثر مما التقطته أجيال كاملة قبلنا.

ومع ذلك، ربما لم يكن الإنسان في أي عصر سابق منشغلا بصورته عن نفسه بهذا القدر؟ ولهذا فالعودة إلى صور الشباب، أو حتى تشبيب أنفسنا وصورنا بواسطة التكنولوجيا، يمكن أن تكون محاولة لاستعادة توازن نفسي مفقود بين الإنسان وصورته. وبالرغم من أن هذه المحاولة ليست دائما نرجسية، كما قد يبدو للبعض لأول وهلة. قد تكون، في بعض الحالات، محاولة للمصالحة مع الزمن. أن تقول لنفسك: هذا هو وجهي المشتهى، ولقد كنتُ هنا. وهذا الوجه كان لي. كانت هذه المرحلة جزءا مني، ولم تختفِ تماما لأن السنوات مرت بشكل سريع، وأننا كبُرنا في غفلة منا إن صح التعبير؟

حين تصبح الصورة شكلا من أشكال مقاومة المحو:

لا يسرق الزمن الشباب فقط، يمحو التفاصيل أيضا. ننسى الملابس التي ارتديناها، شكل الغرف، لون الجدران، طريقة تصفيف الشعر، الوجوه التي كانت حولنا، وحتى الطريقة التي كنا ننظر بها إلى العالم. لذلك يأتي والذكاء الاصطناعي اليوم ليمنحنا وهما جميلا من خلال صور مثالية تمكننا من استعادة التفاصيل التي سرقها منا الزمن.

لكن لماذا ننشر هذه الصور على مواقع التواصل؟ هنا ينتقل الأمر من المستوى النفسي الفردي إلى المستوى الاجتماعي. فلو كان الأمر مجرد حنين شخصي، لربما اكتفينا بالاحتفاظ بالصورة لأنفسنا. لكننا ننشرها. نعرضها على الآخرين. نضعها أمام مئات أو آلاف أو ملايين الأشخاص، وننتظر تعليقاتهم وتفاعلاتهم. وهذا يعني أن الصورة تؤدي وظيفة أخرى: إعادة تقديم الذات وتقييمها أمام الجماعة. لا نقول للناس فقط: انظروا كيف كنت. بل نقول، بشكل غير مباشر: هذه الصورة أيضا أنا، فلا تنظروا إليّ فقط من خلال صورتي الحقيقية الحالية.

كأن الإنسان يريد أن يوسع صورته الاجتماعية عبر الزمن. يريد أن يقول للآخرين إن هويته ليست اللحظة الراهنة وحدها، وإن خلف الوجه الذي تعرفونه اليوم تاريخا كاملا من الوجوه. وهنا تصبح مواقع التواصل الاجتماعي أشبه بـ “مسرح للذاكرة الجماعية”. كل شخص يعرض نسخته الماضية، والآخرون يتعرفون على أنفسهم فيها. ومن هنا يأتي الانتشار السريع لهذه الظاهرة: لأن الصورة الفردية تتحول بسهولة إلى تجربة جماعية.

وحين أنشر صورة لي في الثمانينيات، قد لا أكون وحدي من يستعيد هذه الحقبة الزمنية التي أصبح الكل ينعتها بـ “الزمن الجميل”. قد يستعيدها معي أصدقائي، أبناء جيلي، ومن عاشوا الفترة نفسها، أو حتى الأجيال الأصغر التي لم تعشها ولكنها أصبحت تتخيلها من خلال الصور والموسيقى والأفلام وأشكال الموضة المنشرة آنذاك. وهكذا تتحول الذاكرة الشخصية إلى نوستالجيا جماعية.

المفارقة الكبرى: أحدث تكنولوجيا في العالم تبحث عن أقدم شيء في الإنسان:

أليس من المدهش أن تكون إحدى أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي انتشارا، هي مساعدتنا على العودة إلى الماضي؟ نحن نستخدم تقنية تنتمي إلى المستقبل لكي نصنع صورا تنتمي إلى الأمس. تكشف هذه المفارقة شيئا عميقا عن علاقتنا بالتكنولوجيا. حيث كنا نعتقد بأن التكنولوجيا ستدفعنا دائما إلى الأمام. لكنها اليوم تمنحنا أيضا أدوات العودة إلى الماضي والحنين إليه.

نستخدم المستقبل كي نعيد النظر إلى ماضينا. وهذا يعني أن علاقتنا بالتكنولوجيا ليست علاقة تقدم فقط، إنها أيضا علاقة ترميم للذاكرة. فالذكاء الاصطناعي أصبح، إلى جانب كونه أداة للإنتاج والتواصل، أداة لإعادة بناء السيرة الشخصية. وربما لهذا السبب تبدو هذه الظاهرة أكبر من مجرد “ترند” عابر على مواقع التواصل. إذ تكشف عن حاجة إنسانية عميقة: الحاجة إلى أن نرى حياتنا كاملة، لا مقطعة إلى حاضر ومستقبل. وبالتالي فنحن نعيش في زمن سريع إلى درجة أننا أصبحنا نحتاج إلى اختراع طرق لإبطائه. والصورة واحدة من هذه الطرق. نوقف الزمن داخل إطار. ثم نعود إليه بعد عقود. ننظر إلى وجهنا القديم. نحاول أن نتعرف إليه. ثم نكتشف شيئاً غريبا: لم يكن ذلك الوجه شخصا آخر. كان نحن فقط. والأغرب من ذلك أننا، بعد كل هذه السنوات، ما زلنا نبحث عن شيء منه في وجوهنا الحالية.