من «الزم بيتك» إلى الاعتذار.. بنكيران يعيد وضع كلامه عن العثماني في سياقه

0
110

لم يأت توضيح عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في فراغ سياسي أو إعلامي. فقد صدر بعد موجة من الجدل التي أعقبت كلامه عن سعد الدين العثماني، وبعد أن انتقل مقطع من كلمته الحزبية في النواصر من سياقه الكامل إلى التداول الإعلامي والسياسي، بما جعل العبارة الأكثر حدة ــ «لزم بيتك» ــ تتقدم على ما سبقها وما تلاها من كلام.

لهذا اختار بنكيران في بيانه المؤرخ في 06 أكتوبر 2026 أن يعيد تعريف الواقعة من موقع صاحب الكلام نفسه. لم يتراجع عن أصل موقفه من مشاركة العثماني في بعض الأنشطة الحزبية، لكنه سحب العبارة من منطقة الإساءة الشخصية، ووضعها داخل تفسير سياسي وتنظيمي يقول إن مشاركته في بعض الأنشطة قد توفر لخصوم الحزب مادة لاستهدافه واستهداف الحزب.

وهذه نقطة أساسية في قراءة البيان. فبنكيران لا يقول إنه أخطأ في تقديره السياسي بشأن مشاركة العثماني في بعض الأنشطة، وإنما يوضح أن العبارة التي استُعملت للدلالة على هذا التقدير خرجت في صيغة لم يكن يقصد بها الإساءة.

وهو يشرح ذلك بوضوح حين يؤكد أنه «ما فتئ» يشيد علناً بسعد الدين العثماني، مستحضراً ما جمعهما من «العمل الجاد طيلة عقود»، وما يكنه له من «التقدير والاحترام والود»، مع إقراره في الوقت نفسه بوجود اختلاف في التقدير والمواقف.

بهذا التفصيل، يضع بنكيران حداً فاصلاً بين مستويين كان الجدل قد خلط بينهما: الخلاف في التقدير السياسي من جهة، والعلاقة الشخصية والتاريخية مع العثماني من جهة أخرى.

لكن بيان بنكيران لا يكتفي بالدفاع عن علاقته بالعثماني. ففي جوهره رسالة أخرى موجهة إلى داخل الحزب وخارجه: المشاركة السياسية لشخصية حزبية لها تاريخ وموقع مثل سعد الدين العثماني لا تُقرأ فقط من زاوية النية الشخصية لصاحبها، وإنما أيضاً من زاوية ما يمكن أن يفعله الخصوم بهذه المشاركة في معركة سياسية مفتوحة.

وهنا تحديداً تظهر خلفية الخلاف الذي أشعلته تصريحات عبد اللطيف وهبي.

فوهبي كان قد أعاد إلى الواجهة مسؤولية العثماني السياسية عن توقيع الاتفاق الثلاثي المتعلق باستئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل، مستغرباً عدم اتخاذ بنكيران موقفاً تنظيمياً منه، في وقت كان فيه الأمين العام للعدالة والتنمية يهاجم فاعلين آخرين بسبب مواقفهم الانتخابية. ثم أضاف وهبي أن العثماني شارك لاحقاً في تجمعات انتخابية دعماً للحزب، وهو ما دفع بنكيران، في كلمته بالنواصر، إلى الرد بعصبية واضحة.

من هنا يصبح مفهوماً لماذا ركز بنكيران في بيانه الجديد على عبارة «في سياق ردي على الهجوم الجبان الذي تعرضت له من طرف السيد عبد اللطيف وهبي».

إنه بذلك لا يلغي ما قاله، بل يعيد وضعه في السلسلة التي أنتجته: هجوم سياسي من وهبي، ورد من بنكيران، ثم تداول لمقطع من الرد، ثم جدل حول العثماني، وأخيراً توضيح واعتذار عن الصيغة التي يمكن أن تكون قد حملت إساءة غير مقصودة.

وهذا التسلسل مهم، لأنه يفسر لماذا كان العثماني حاضراً في الرد رغم أن أصل الاشتباك كان بين بنكيران ووهبي.

العثماني بين الماضي التنظيمي والحاضر السياسي

المفارقة التي أعاد الجدل إنتاجها لا تتعلق فقط بعبارة «لزم بيتك». إنها تمتد إلى موقف بنكيران نفسه من سعد الدين العثماني في ملف استئناف العلاقات مع إسرائيل.

فبنكيران سبق أن دافع عن العثماني في تلك المرحلة، ورفض تحميله وحده مسؤولية القرار، مستحضراً موقع رئيس الحكومة داخل بنية الدولة، ومؤكداً أولوية الدولة والملكية واستقرار المؤسسات.

واليوم، عندما يقول إن مشاركة العثماني في بعض الأنشطة قد يستغلها خصوم الحزب ضد العدالة والتنمية، فإن القضية تنتقل من سؤال المسؤولية عن قرار الدولة إلى سؤال آخر: كيف يتعامل الحزب اليوم مع إرث مرحلة سياسية ما زالت قابلة للاستعمال ضده؟

وهذا هو المعنى الأوسع الذي يمكن استخلاصه من كلام بنكيران نفسه.

فالرجل لا يقول في بيانه إن العثماني أصبح خصماً للحزب، ولا يتهمه بسوء النية، بل يفعل العكس تماماً عندما يشدد على الاحترام والتقدير والود. لكنه يقول إن هناك أنشطة يرى أن عدم المشاركة فيها قد يكون أنسب للحزب، لأن الخصوم يستطيعون توظيفها ضده.

وبذلك يصبح الخلاف حول العثماني، في صياغة بنكيران، خلافاً على تقدير الكلفة السياسية للمشاركة، وليس حكماً على الرجل أو على تاريخه داخل الحزب.

لماذا كان الاعتذار ضرورياً؟

العبارة الأكثر دلالة في بيان بنكيران ربما ليست «لزم بيتك»، وإنما قوله: «إذا كان في دعوتي له بلزوم بيته علانية أي إساءة فإنني أؤكد له أنها لم تكن مقصودة وليعذرني عنها».

هنا ينتقل بنكيران من موقع الأمين العام الذي يبرر موقفاً سياسياً إلى موقع القيادي الذي يدرك أن الصياغة العلنية قد تتجاوز أحياناً النية التي صدرت عنها.

فالاعتذار لا يأتي عن أصل الاختلاف في التقدير، وإنما عن احتمال أن تكون الطريقة التي عبّر بها عن ذلك قد حملت إساءة إلى رجل يقول بنكيران نفسه إنه يكن له الاحترام والود.

وهذه التفرقة مهمة، لأنها تعني أن بنكيران يريد الاحتفاظ بحقه في الاختلاف السياسي مع العثماني، وفي الوقت نفسه يريد إغلاق الباب أمام تحويل هذا الاختلاف إلى خصومة شخصية.

لكن ماذا عن الرسالة إلى قواعد الحزب؟

خلف العثماني وبنكيران يوجد سؤال أكبر يخص العدالة والتنمية نفسه.

فالتفاعلات التي أعقبت الواقعة، ومنها مواقف محمد يتيم وخالد الصمدي ومحمد أمين الدهاوي، أظهرت أن المسألة لم تعد مجرد سجال بين قياديين. لقد بدأت تمس طريقة إدارة الاختلاف داخل الحزب، وحدود النقاش حول مرحلة العثماني، وكيفية التعامل مع ملف التطبيع، وما إذا كان استمرار استحضاره يخدم الحزب أم يمنح خصومه مادة سياسية إضافية.

محمد يتيم اعتبر العودة إلى توقيع العثماني على الاتفاق «عودة بعقارب الساعة إلى الوراء»، بينما دعا خالد الصمدي إلى قراءة الواقعة ضمن سياقاتها ومعطياتها، بعيداً عن الطعن في النيات. أما محمد أمين الدهاوي فذهب مباشرة إلى جوهر القلق التنظيمي حين دعا إلى تدخل «العقلاء والحكماء» ورأب الصدع وتوجيه الجهود نحو «المعارك الخارجية».

هذه المواقف لا تلغي بيان بنكيران، لكنها تكشف أن الجدل الذي بدأ بعبارة واحدة صار يلامس سؤالاً تنظيمياً أكبر: هل يستطيع حزب العدالة والتنمية أن يختلف حول إرث مرحلة سياسية حساسة من دون أن يتحول الاختلاف إلى شرخ داخلي؟

رسالة إلى الخصوم أيضاً

وفي الوجه الآخر للبيان، توجد رسالة واضحة إلى خصوم الحزب.

بنكيران يقول، عملياً، إن ما يقال داخل الحزب لا ينبغي اقتطاعه من سياقه ثم تقديمه باعتباره دليلاً على تناقضات أو صراعات داخلية. لذلك كان تأكيده أن المقطع «مجتزأ»، وأن كلامه صدر في سياق رده على وهبي.

لكن المفارقة أن الخصوم السياسيين لا يحتاجون دائماً إلى اختلاق الصراع؛ يكفي أحياناً أن يجدوا مادة جاهزة في تصريحات قيادات الحزب نفسه.

وهنا تظهر أهمية الجزء الذي أضافه بنكيران في توضيحه: هو لا ينفي وجود اختلاف في التقدير والمواقف مع العثماني، بل يعترف به صراحة. لكنه يرفض أن يتحول هذا الاختلاف إلى إساءة شخصية أو إلى صورة عن قطيعة مع رجل يربطه به تاريخ طويل من العمل المشترك.

السؤال الذي يظل مفتوحاً

يبقى السؤال السياسي الأهم الذي يخرج من هذه الواقعة أبعد من عبارة «الزم بيتك» ومن الاعتذار الذي تلاها.

هل يريد حزب العدالة والتنمية أن يحسم داخلياً موقع مرحلة سعد الدين العثماني من تاريخه السياسي، بما فيها قضية توقيع اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل، أم أن الملف سيظل يعود كلما احتاج خصم سياسي إلى فتح جرح قديم داخل الحزب؟

وهل يستطيع بنكيران والعثماني، رغم اختلاف التقديرات والمواقف، أن يفصلا بين النقاش السياسي وبين العلاقة التنظيمية والتاريخية التي جمعتهما لعقود؟

ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل المشكلة في مشاركة العثماني في الأنشطة الحزبية فعلاً، أم في الطريقة التي يمكن أن يستثمر بها الخصوم تلك المشاركة لإعادة فتح ملفات يعرف الحزب أنها لا تزال مكلفة سياسياً؟

بيان بنكيران لا يقدم إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، ولا يدعي ذلك. لكنه يقدم مفتاحاً لفهم موقفه: الرجل يريد أن يقول إن علاقته بالعثماني ليست علاقة خصومة، وإن الاختلاف في التقدير لا يعني إسقاط الاحترام، وإن دعوته إلى عدم المشاركة في بعض الأنشطة نابعة ــ بحسب تفسيره ــ من حساب سياسي يتعلق بمصلحة الحزب، لا من رغبة في الإساءة إليه.

وفي النهاية، فإن أهم ما فعله بنكيران في هذا التوضيح هو أنه أعاد العبارة الأكثر إثارة للجدل إلى صاحبها وسياقها، ثم تحمل مسؤولية أثرها المحتمل باعتذار صريح.

أما السؤال الذي سيظل مطروحاً داخل العدالة والتنمية وخارجه، فهو أكبر من هذه الواقعة نفسها: كيف يدير الحزب إرث مرحلة العثماني، وكيف يمنع الخصوم من تحويل خلافاته التاريخية إلى أداة دائمة في معاركه السياسية المقبلة؟

ذلك أن القضية، في نهاية المطاف، لم تعد فقط حول من قال «لزم بيتك» ومن اعتذر عنها، وإنما حول قدرة حزب سياسي على إدارة ذاكرته، وخلافاته، وملفات ماضيه، في لحظة لا يبدو فيها أن خصومه مستعدون لترك أي صفحة قديمة مغلقة.