كراسي الحكومة تتحرك: بنعبد الله ركب «الجرار»… الأحرار خارجاً والاستقلال ينتظر دوره

0
116

من مقر حزب الأصالة والمعاصرة، بشارع 16 نونبر بأكدال في الرباط، تأتي المعطيات الجديدة التي ترسم، حتى الآن، ملامح أغلبية حكومية مختلفة عما عرفه المغرب خلال الولاية السابقة.

المعطى الأبرز، وفق مصادر من داخل المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة فضلت عدم الكشف عن هويتها، أن نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، خرج من لقائه مع رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري باتجاه المشاركة في الحكومة.

المفاوضات، بحسب المصدر نفسه، مرت في أجواء جيدة، وجرى الاتفاق على مبدأ دخول التقدم والاشتراكية إلى الأغلبية، مع طلب تقديم مقترحات بأسماء مرشحة للاستوزار.

لكن الأهم في هذا اللقاء ربما لم يكن فقط سؤال دخول الحزب إلى الحكومة، وإنما الطريقة التي ستُدار بها حصص الأحزاب داخلها. فالمصدر يتحدث عن تطمينات للمنصوري بأن التعامل مع حزب الأصالة والمعاصرة في توزيع المقاعد الوزارية سيكون سياسياً، وليس مجرد عملية حسابية مرتبطة بعدد المقاعد البرلمانية.

وهذا التفصيل يحتاج إلى بعض الحذر في قراءته، لأنه يتعلق بتفاوض لم ينته بعد. لكنه يكشف، إذا صحت المعطيات، عن محاولة لبناء حكومة بمنطق سياسي مختلف عن قاعدة «لكل حزب عدد من الوزارات يساوي حجمه الانتخابي».

بعد بنعبد الله جاء دور الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي عقد لقاءه مع المنصوري بعد ظهر اليوم. ووفق المصدر نفسه، وافق الاتحاد الاشتراكي على المشاركة، ليصبح الحزب عملياً داخل مسار تشكيل الأغلبية الجديدة.

أما حزب الاستقلال، فموعد التفاوض معه سيكون غداً.

وهنا تبدأ المرحلة الأصعب. قبول الأحزاب بمبدأ المشاركة شيء، وتوزيع الوزارات والحقائب شيء آخر تماماً.

مصدر من داخل البام تحدث عن اتجاه داخل المجموعة المصغرة المكلفة بالهيكلة الحكومية، إلى جانب المنصوري، نحو اعتماد نظام الأقطاب الوزارية. الفكرة، في صيغتها المتداولة، أن يتولى كل حزب مشارك في الأغلبية قطباً حكومياً معيناً، بدل توزيع الوزارات واحدة واحدة بين الأحزاب.

ومن الأمثلة التي قدمها المصدر القطب الاجتماعي، الذي يمكن أن يجمع قطاعات مثل الشغل والمرأة والتضامن الاجتماعي والصحة، على أن يسند إلى حزب واحد، مع وزراء وكتاب دولة تابعين لهذا القطب.

إذا اتجهت المفاوضات فعلاً إلى هذه الصيغة، فإن النقاش لن يعود فقط حول «من يأخذ أي وزارة»، وإنما حول من يملك القدرة السياسية على إدارة مجال حكومي كامل. وهذا يرفع قيمة بعض القطاعات ويغير طريقة احتساب النفوذ داخل الحكومة.

المعلومة الثانية التي نقلها المصدر تتعلق بحجم الحكومة نفسها.

الاتجاه، بحسب المعطيات المتوفرة، هو نحو حكومة محدودة العدد، في حدود 21 إلى 24 وزيراً، مع احتساب الوزارات التي جرت العادة السياسية على اعتبارها ضمن مجالات السيادة، والتي يحتفظ بها الملك عملياً، وإن كان الدستور لا يصنفها بهذا التعبير كـ«وزارات سيادة».

هذا الرقم، إذا تأكد في الصيغة النهائية، يعني أن المنصوري ستدخل مفاوضاتها وهي تحمل سقفاً محدوداً من الحقائب. وكلما زاد عدد الأحزاب المشاركة، أصبحت عملية توزيع المقاعد أكثر حساسية.

وهنا تظهر مشكلة مجلس النواب.

المعطى الذي تنقله المصادر هو أن الأصالة والمعاصرة لا يرغب، في الأصل، في تولي رئاسة مجلس النواب. لكن المشكلة لا تتعلق برغبة البام وحده.

حزب الاستقلال، الذي يدخل بدوره مرحلة التفاوض، يتوفر على أسماء يمكن أن تكون مناسبة لرئاسة الغرفة الأولى، في الوقت الذي يُطرح فيه احتمال احتفاظه برئاسة مجلس المستشارين.

وهذا يجعل منح الاستقلال رئاسة مجلس النواب أيضاً أمراً صعباً سياسياً، إذا كانت الغرفة الثانية ستبقى في يده.

أما التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي، فلا تتوفر، وفق المصدر نفسه، على أسماء تبدو مطروحة بقوة لهذا المنصب.

لذلك يظهر احتمال أن يجد البام نفسه أمام رئاسة مجلس النواب، حتى إذا لم تكن هذه هي رغبته الأولى.

وهنا تصبح رئاسة البرلمان جزءاً من حساب توزيع السلطة داخل الأغلبية. فإذا حصل الأصالة والمعاصرة على رئاسة مجلس النواب، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على حصته الحكومية، وقد تعني المعادلة خسارة وزارة أو وزارتين مقابل المنصب البرلماني.

هذه ليست نتيجة محسومة، لكنها واحدة من العقد التي بدأت تظهر كلما اقتربت المفاوضات من مرحلة توزيع المواقع لا مجرد إعلان التحالفات.

وفي الجهة الأخرى، تبدو صورة التجمع الوطني للأحرار أكثر وضوحاً، بحسب مصادرنا: الحزب يتجه إلى المعارضة.

المصادر نفسها تؤكد مجدداً هذا الاتجاه، رغم استمرار أصوات داخل الحزب محسوبة على المرحلة السابقة في التشويش على قيادة فاطمة الزهراء المنصوري.

لكن حتى لو استمر هذا التشويش، فإن أثره في المفاوضات الحكومية الحالية يبدو محدوداً. المنصوري تتفاوض مع أحزاب يمكن أن تدخل الحكومة، وليس مع الأصوات التي تريد فقط تغيير مسار القرار داخل حزب آخر.

أما الحركة الشعبية، فما زالت في منطقة الانتظار.

الحزب لم يخرج من دائرة التفاوض، لكن سقف مطالبه سيكون عاملاً حاسماً في تحديد موقعه النهائي. وهنا توجد أمام المنصوري معادلة صعبة: قبول الحركة الشعبية يعني توسيع الأغلبية وتوفير هامش أمان أكبر، لكن ذلك يعني أيضاً توسيع دائرة المطالب الوزارية.

وفي حال ارتفعت المطالب إلى مستوى لا تراه قيادة الأغلبية مناسباً، فهناك خيار الاكتفاء بأغلبية مكونة من 207 مقاعد.

عدد يبدو كافياً من الناحية العددية، لكنه لا يخلو من المخاطر السياسية، خصوصاً مع الحديث عن صعوبات الانضباط داخل الفريق البرلماني للأصالة والمعاصرة.

والخيار الآخر هو الاتحاد الدستوري، ليس بالضرورة عبر المشاركة في الحكومة، وإنما من خلال نوع من «المساندة النقدية» للحكومة.

هذه العبارة الأخيرة توصيف سياسي لا معطى موثقاً، ولذلك تبقى في خانة السيناريو وليس الخبر.

المشكلة في كل هذه الحسابات أن الحكومة لا تملك رفاهية مفاوضات مفتوحة إلى ما لا نهاية.

افتتاح البرلمان يوم الجمعة المقبل يضع سقفاً سياسياً قريباً، لكن الموعد الأكثر ضغطاً يأتي بعده.

مشروع قانون المالية يجب أن يمر عبر المجلس الوزاري ثم المجلس الحكومي، قبل إيداعه لدى البرلمان في الموعد الدستوري المحدد، أي قبل 20 أكتوبر.

وهذا يجعل ولادة الحكومة الجديدة مرتبطة بجدول زمني أكثر صرامة مما يبدو في البيانات السياسية.

المفاوضات حول الأسماء والحقائب والأقطاب يمكن أن تستمر أياماً، لكن مشروع المالية لا ينتظر اكتمال كل الحسابات الحزبية.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن ولادة الحكومة لا يُنتظر أن تتم قبل افتتاح البرلمان، لكنها يفترض أن تتم قبل 18 أكتوبر، حتى تكون المؤسسات الجديدة قادرة على التعامل مع الاستحقاق المالي في آجاله.

حتى الآن، إذن، هناك أحزاب دخلت مسار المشاركة، وأخرى تتفاوض، وحزب يبدو أنه يتجه إلى المعارضة، وحزب ينتظر معرفة ثمن بقائه داخل الأغلبية.

لكن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيدخل حكومة المنصوري؟

السؤال أصبح: كم مقعداً وزارياً ستبقى المنصوري قادرة على توزيعه بعد احتساب الأحزاب، والأقطاب، ورئاسة مجلس النواب، ثم كيف ستُبنى أغلبية تستطيع عبور أول امتحان لها مع قانون المالية؟

هذه الحسابات لم تُحسم بعد. وما سيحسمها في الأيام المقبلة ليس عدد الأحزاب التي تقول نعم للحكومة فقط، وإنما مقدار ما سيطلبه كل طرف مقابل تلك الـ«نعم».