بنسعيد في مواجهة العسري: «الجرار» يدخل الحكومة المقبلة محمّلاً بحصيلة الحكومة السابقة

0
118

دخل حزب الأصالة والمعاصرة مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة وهو يحمل نتيجة انتخابية تضعه في موقع القيادة، لكنه وجد نفسه سريعاً أمام سؤال أكثر صعوبة من توزيع الحقائب: ماذا سيفعل بحصيلة السنوات الخمس التي قضاها داخل الحكومة؟

السؤال خرج إلى العلن خلال برنامج «بوليميك» على قناة «شدى تي في»، في مواجهة مباشرة بين محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وجمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد وعضو تحالف اليسار.

بنسعيد تحدث عن مراحل تفاوض واضحة: توافق أولي حول البرنامج الحكومي، ثم الانتقال إلى هندسة الأغلبية، وبعدها توزيع المسؤوليات داخل الحكومة. وهو بذلك حاول أن يرسم صورة لمفاوضات يجري فيها أولاً الاتفاق على ما ستفعله الحكومة، قبل الاتفاق على من سيدخلها.

العسري قلب ترتيب الأسئلة. بالنسبة إليه، المشكلة تبدأ من الانتخابات نفسها ومن الطريقة التي تتعامل بها الأحزاب مع نتائجها. فهو يرى أن الناخب يفترض أن يجد أمامه مشاريع سياسية وتحالفات أكثر وضوحاً، بينما تبدو الصورة بعد الاقتراع مختلفة: أحزاب أعلنت بسرعة رغبتها في المشاركة في الحكومة، وكأن الوصول إلى السلطة التنفيذية أصبح في حد ذاته أحد أهداف العملية الانتخابية.

هذه النقطة كانت أهم من مجرد خلاف بين معارض وحزب فائز. لأنها تمس طبيعة التحالفات التي يجري بناؤها الآن.

العسري سأل عملياً: إذا كانت الأحزاب تختلف في المرجعيات والبرامج والتصورات، فما الذي يجمعها بعد الانتخابات؟ وما الذي يفسر انتقالها بهذه السرعة من المنافسة الانتخابية إلى البحث عن موقع داخل الأغلبية؟

بنسعيد اختار الدفاع عن منطق مختلف. قال إن رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، فتحت باب التواصل مع مختلف الأحزاب، بما فيها تلك التي أعلنت تموقعها في المعارضة. ولم يقدم ذلك باعتباره تفاوضاً بالضرورة على الدخول إلى الحكومة، وإنما باعتباره تواصلاً مؤسساتياً حول قضايا وطنية تتجاوز أحياناً الانقسام بين الأغلبية والمعارضة.

وهنا ظهرت نقطة مهمة في كلامه: العدالة والتنمية، وفق روايته، أبلغت بأنها اختارت المعارضة، ومع ذلك فإن الحوار مع مؤسسة رئاسة الحكومة يبقى ممكناً.

هذا التفريق بين التفاوض على الأغلبية والتواصل مع المعارضة سيكون ضرورياً في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا تحولت المعارضة إلى طرف مؤثر داخل البرلمان بدل أن تكون مجرد موقع سياسي خارج الحكومة.

لكن النقاش لم يبقَ في مستوى هندسة الحكومة الجديدة. انتقل سريعاً إلى الماضي، وهناك أصبح دفاع بنسعيد أكثر حساسية.

العسري وضع حزب الأصالة والمعاصرة أمام ما يعتبره تناقضاً سياسياً: الحزب كان جزءاً أساسياً من الحكومة السابقة، وتولى عدداً من القطاعات الوزارية، وبالتالي لا يمكنه، حسب هذا المنطق، أن يتعامل مع حصيلة تلك الحكومة وكأنها تخص أطرافاً أخرى فقط.

واستعرض العسري سلسلة من الملفات التي قال إنها ارتبطت بالوزارات التي كان يديرها الحزب، من العدل إلى الشباب والثقافة والاتصال، والتعليم العالي، وإعداد التراب الوطني والإسكان، والانتقال الطاقي، والإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى، والتشغيل، والانتقال الرقمي والإصلاح الإداري.

ثم ربط ذلك بما وصفه بانتقادات سابقة صدرت عن مسؤولين في الأصالة والمعاصرة تجاه الحكومة التي كانوا جزءاً منها، معتبراً أن الانتقال من موقع الشريك في التدبير إلى موقع المنتقد يطرح سؤال المسؤولية السياسية.

هذه هي النقطة التي حاول بنسعيد تفكيكها بدل رفضها بالكامل.

فهو لم يقدم التجربة الحكومية السابقة باعتبارها نجاحاً كاملاً. قال صراحة إن التجربة لم تكن ناجحة بنسبة مائة في المائة، وتحدث عن إيجابيات وسلبيات، وعن وجود خلافات داخل مكونات الأغلبية، مع التشديد على أن الحزب ظل يتحمل مسؤوليته السياسية داخلها.

المسألة هنا تتجاوز الدفاع عن حصيلة وزير أو وزارة. هناك فرق بين المسؤولية عن المشاركة في الحكومة والمسؤولية عن كل قرار اتخذته الحكومة. الأحزاب المشكلة للأغلبية تشارك في القرار العام، لكنها لا تملك بالضرورة الموقف نفسه من كل سياسة أو تدبير.

بنسعيد استعمل هذه المسافة تحديداً. تحدث عن قضايا كان الحزب يؤيد فيها تدخل الدولة اجتماعياً، لكنه كان ينتقد طريقة تدبير بعض القطاعات. وأشار إلى أن وجود خلاف داخل الأغلبية لا يعني بالضرورة الانسحاب منها أو إسقاط المسؤولية عنها.

العسري، في المقابل، كان يدفع النقاش إلى الاتجاه الآخر: إذا كان الحزب يختلف مع تدبير قطاعات أساسية، وإذا كانت بعض الاتهامات التي صدرت عن مسؤولين داخله خلال الولاية السابقة بالغة الخطورة، فما الحد الفاصل بين الخلاف الداخلي وبين المسؤولية السياسية؟

وهذا السؤال لن تحسمه المناظرات التلفزيونية وحدها.

فالاختبار الحقيقي سيأتي عندما يبدأ حزب الأصالة والمعاصرة في صياغة برنامج الحكومة المقبلة. عندها ستظهر العلاقة بين البرنامج الانتخابي الذي يقول بنسعيد إن المغاربة صوتوا عليه، وبين حصيلة السنوات الخمس التي شارك فيها الحزب في الحكومة السابقة.

هناك، تحديداً، تصبح الوعود الانتخابية أكثر من شعارات.

بنسعيد قال إن الحزب راجع البرامج الانتخابية للأحزاب الأخرى، وحاول الاقتراب من القوى التي تتقاطع معه في تصور «الديمقراطية الاجتماعية»، وهو التوجه الذي يقول الحزب إنه اختاره منذ 2012.

هذه العبارة تكشف أن المفاوضات الجارية لا تدور فقط حول عدد المقاعد أو الحقائب. هناك محاولة لإعطاء التحالف المقبل أرضية سياسية مشتركة، حتى لو كانت هذه الأرضية واسعة بما يكفي لاستيعاب أحزاب مختلفة.

لكن ذلك يفتح سؤالاً آخر: هل تكفي فكرة عامة مثل الديمقراطية الاجتماعية لتوحيد أحزاب خاضت الانتخابات بمشاريع وشعارات مختلفة؟

العسري لا يبدو مقتنعاً بذلك. انتقاده الأساسي ليس فقط لمن سيدخل الحكومة، وإنما للطريقة التي تُبنى بها الأغلبية بعد الانتخابات.

وبنسعيد لا ينكر الاختلافات، لكنه يرى أن السياسة الحكومية تقوم في النهاية على برنامج مشترك ومسؤولية جماعية، مع احتفاظ كل حزب بمساحته السياسية.

المواجهة بين الرجلين كشفت أيضاً عن شيء آخر: المعارضة بدأت مبكراً في بناء خطابها تجاه الحكومة المقبلة، بينما حزب الأصالة والمعاصرة يحاول في المقابل أن يقدم نفسه باعتباره حزباً يستعد للحكم لا حزباً يكتفي بالاحتفال بنتيجة انتخابية.

وهذا يفسر جانباً من حدة النقاش.

العسري يريد أن يثبت أن الحكومة المقبلة ينبغي أن تبدأ من محاسبة التجربة السابقة، وبنسعيد يريد أن يثبت أن المشاركة السابقة لا تمنع الحزب من تقديم برنامج جديد وتحمل مسؤولية جديدة.

بين الموقفين توجد منطقة سياسية واسعة لم تُحسم بعد.

فإذا كان الأصالة والمعاصرة يقود المفاوضات فعلاً نحو حكومة سياسية قوية، كما يقدم ذلك في خطابه، فإن قوته لن تقاس فقط بعدد الأحزاب التي ستجلس إلى جانبه. ستقاس أيضاً بقدرته على تفسير ما الذي تغير بين حكومة شارك فيها بقوة، وحكومة يريد اليوم أن يقودها سياسياً.

وإذا كانت المعارضة تريد أن تبدأ مبكراً في مساءلة الحكومة المقبلة، فإن عليها بدورها أن تتجاوز الاعتراض العام على التحالفات إلى تقديم بديل واضح في الملفات التي تنتقدها.

الانتخابات انتهت، لكن النقاش الذي فتحته لم ينته معها.

الآن يبدأ الجزء الأكثر صعوبة: تحويل نتيجة الصندوق إلى أغلبية، وتحويل الأغلبية إلى برنامج، ثم تحويل البرنامج إلى قرارات يمكن مساءلتها. عند هذه النقطة فقط ستتضح قيمة الخلاف الذي ظهر في «بوليميك»؛ هل كان مجرد سجال انتخابي متأخر، أم أنه يعكس فعلاً بداية مواجهة سياسية حول شكل الحكومة المقبلة ومسؤولية الأحزاب عن السنوات التي سبقتها؟