المنصوري تدخل اليوم التاسع.. ماذا تقول ساعات تشكيل الحكومة عن مشاورات «الجرار»؟

0
130
صورة: أ.ف.ب

دخلت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعيّنة والمكلفة بتشكيلها، يومها التاسع منذ تعيينها من طرف الملك محمد السادس في 29 شتنبر الماضي، بينما ما تزال مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مفتوحة على أكثر من احتمال.

الرقم في حد ذاته لا يحمل حكماً سياسياً. تسعة أيام قد تكون فترة قصيرة في مفاوضات الائتلافات، وقد تكون طويلة إذا كانت الخريطة الحزبية قد حُسمت فعلياً وبقي فقط الاتفاق على التفاصيل. لذلك، لا تكفي قراءة الساعة لمعرفة إلى أين تتجه الحكومة المقبلة.

لكن مسار المشاورات بدأ يعطي بعض الإشارات.

المنصوري انتقلت إلى جولة ثانية من الاتصالات مع الأحزاب، فيما منحت أحزاب سياسية قياداتها صلاحيات تدبير المفاوضات واتخاذ القرار بشأن المشاركة. حزب الاتحاد الدستوري، مثلاً، فوّض أمينه العام محمد جودار قيادة المشاورات مع رئيسة الحكومة المعيّنة، بينما فوّض حزب التقدم والاشتراكية مكتبه السياسي تدبير المرحلة المقبلة، وقال أمينه العام نبيل بنعبد الله إن قرار المشاركة مرتبط بشروط سياسية وبرنامجية واضحة.

وفي الجهة الأخرى، أعلن التجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، وهنأ حزب الأصالة والمعاصرة على تصدر الانتخابات، بينما اتخذت أحزاب أخرى مواقف أكثر ارتباطاً بشروط المشاركة وموقعها داخل الأغلبية المقبلة.

هنا تبدأ المقارنة مع التجارب السابقة في أخذ معناها.

منذ تعيين عبد الرحمان اليوسفي وزيراً أول في 4 فبراير 1998 إلى تعيين حكومته في 14 مارس من السنة نفسها، مرّت 38 يوماً. كانت تلك محطة سياسية مختلفة تماماً، في سياق حكومة التناوب التوافقي، وانتهت بائتلاف ضم الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية إلى جانب أحزاب أخرى.

بعد أربع سنوات، عيّن الملك محمد السادس إدريس جطو وزيراً أول في 9 أكتوبر 2002، ولم تُعلن حكومته إلا في 7 نونبر، أي بعد 29 يوماً.

ثم جاء عباس الفاسي في 19 شتنبر 2007، وتعيّنت حكومته في 15 أكتوبر، بفارق 26 يوماً.

هذه الأرقام تصبح أكثر دلالة بعد دستور 2011، لأن قواعد تشكيل الحكومة تغيرت، وأصبح رئيس الحكومة يُعيّن من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب.

عبد الإله بنكيران عُيّن في 29 نونبر 2011، بعد تصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات، وانتظر إلى 3 يناير 2012 حتى تعيين حكومته، أي 35 يوماً.

ثم جاءت محطة 2016 التي كسرت أي إمكانية لاعتبار المدة الزمنية وحدها مؤشراً كافياً.

عُيّن بنكيران في 10 أكتوبر 2016، واستمرت المشاورات أكثر من خمسة أشهر من دون الوصول إلى تركيبة حكومية. وفي 15 مارس 2017 انتهى تكليفه، قبل أن يُعيّن سعد الدين العثماني بعد يومين رئيساً للحكومة. العثماني أنهى المهمة في 19 يوماً، إذ عُيّنت حكومته في 5 أبريل.

وهذه هي النقطة التي تجعل استحضار الماضي مفيداً في قراءة وضع المنصوري.

فالمدة ليست مقياساً مستقلاً. حكومة يمكن أن تتشكل في أقل من ثلاثة أسابيع بعد تغيير رئيس الحكومة، وأخرى يمكن أن تتعثر لأشهر. الفارق يصنعه تركيب البرلمان، ومطالب الأحزاب، وهوامش التفاوض، وقدرة الأطراف على الانتقال من الحديث عن المشاركة إلى الاتفاق على البرنامج والأسماء وتوزيع المسؤوليات.

وفي 2021، استغرق تشكيل حكومة عزيز أخنوش 27 يوماً، من تعيينه رئيساً للحكومة في 10 شتنبر إلى تعيين حكومته في 7 أكتوبر. وانتهت المفاوضات إلى ائتلاف ضم التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة.

المنصوري، في المقابل، لم تصل بعد إلى هذه العتبة الزمنية.

تعيينها تم في 29 شتنبر. وبعد أيام قليلة بدأت الأحزاب في ترتيب مواقعها الداخلية، ومنح قياداتها صلاحيات التفاوض، بينما انتقلت رئيسة الحكومة المعيّنة إلى لقاءات جديدة مع قادة الأحزاب. وبحسب المعطيات الرسمية، انعقدت يوم 6 أكتوبر لقاءات ضمن الجولة الثانية من المشاورات، فيما استمرت الأحزاب في إصدار مواقفها بشأن شروط المشاركة وموقعها من الحكومة المقبلة.

ذلك يعني أن الحديث عن “تأخر” تشكيل الحكومة يحتاج، في هذه المرحلة، إلى قدر من الحذر.

فإذا كانت حكومة اليوسفي احتاجت 38 يوماً، وبنكيران 35 يوماً في 2011، وأخنوش 27 يوماً في 2021، فإن اليوم التاسع من مشاورات المنصوري لا يقدم وحده دليلاً على وجود تعثر.

لكن ثمة سؤالاً آخر أكثر أهمية: ما الذي يجري الاتفاق عليه فعلاً؟

تشكيل الائتلاف شيء، وتشكيل الحكومة شيء آخر.

حتى إذا اتفقت الأحزاب على قاعدة الأغلبية، تبدأ مرحلة أخرى تتعلق بعدد الحقائب، وطبيعة الوزارات، ومن يتولى القطاعات الكبرى، ثم أسماء الوزراء المقترحين. وبعد اقتراح رئيس الحكومة للأسماء، يتم تعيين أعضاء الحكومة وفق الفصل 47 من الدستور. تجربة 2017 توضح كيف يمكن أن تنتهي مفاوضات سياسية طويلة بسرعة نسبية بعد تغيير رئيس الحكومة، لأن الاتفاق الحزبي كان قد أخذ مساراً مختلفاً مع العثماني.

ولهذا تبدو الأيام المقبلة أهم من عدد الأيام التي انقضت.

الأصالة والمعاصرة تصدر الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، والمنصوري تتولى للمرة الأولى مهمة تشكيل حكومة انطلاقاً من موقع الحزب المتصدر. والبوابة الرسمية للانتخابات تسجل أن الاقتراع جرى في 23 شتنبر وأن مجلس النواب يضم 395 مقعداً.

أما صيغة الأغلبية، فما تزال تحتاج إلى أن تتحول من الاتصالات والمواقف السياسية إلى اتفاق معلن.

وهنا تظهر قيمة ما تقوله الأحزاب نفسها. التقدم والاشتراكية يتحدث عن شروط سياسية وبرنامجية وضمانات والتزامات واضحة، بينما يعلن التجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة. الاتحاد الدستوري يربط موقعه بالتقاطع البرنامجي والقدرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين، فيما منحت الحركة الشعبية أمينها العام صلاحية مواصلة المشاورات واتخاذ القرار المناسب بشأن المشاركة.

هذه ليست بعدُ حكومة معلنة، لكنها أيضاً لم تعد مجرد اتصالات أولية.

هناك أحزاب تفاوض، وأحزاب تضع شروطاً، وأخرى تعلن استعدادها للمشاركة، ورئيسة حكومة مكلفة تجمع هذه الخيوط قبل أن تنتقل إلى المرحلة التي يصبح فيها الاتفاق على الأسماء أكثر صعوبة من الاتفاق على العناوين العامة.

والتاريخ المغربي يعطي هامشاً واسعاً لهذا المسار: 19 يوماً للعثماني بعد تكليفه الثاني، 27 يوماً لأخنوش، 35 يوماً لبنكيران، و38 يوماً لليوسفي، مقابل حالة استثنائية انتهت بإعفاء بنكيران بعد أكثر من خمسة أشهر.

لذلك، فإن دخول المنصوري يومها التاسع لا يخبرنا بعدُ بموعد الحكومة.

الذي يمكن قراءته الآن هو أن المشاورات دخلت مرحلة اختبار حقيقية: من يكتفي بإعلان الاستعداد، ومن يفاوض على البرنامج، ومن ينتقل إلى الحديث عن الحقائب والأسماء. عند هذه النقطة تحديداً سيصبح الزمن أكثر دلالة، لأن الأيام لن تقيس فقط مدة الانتظار، وإنما مقدار ما تم الاتفاق عليه داخلها.