إذا كانت الإحصاءات تحتاج إلى هيئة مستقلة… فلماذا تُترك الرياضة المغربية بلا هيئة تراقب من يراقبها؟

0
108

مع مصادقة مجلس الحكومة على مشروعي قانونين جديدين لإعادة هيكلة النظام الإحصائي الوطني، لم يكن الحدث مجرد تعديل تقني يهم إنتاج الأرقام، بل حمل رسالة سياسية ومؤسساتية أعمق مفادها أن الدولة لم تعد تعتبر المعلومة شأنا إداريا فقط، بل مرفقا استراتيجيا يحتاج إلى مؤسسات مستقلة تضمن الاستقلالية والحياد والشفافية والموضوعية، حتى تظل الأرقام أداة لخدمة القرار العمومي لا وسيلة لتوجيهه أو التأثير عليه.

وفي هذا السياق، جاء إحداث المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية باعتباره هيئة ضبط مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، تسهر على احترام المبادئ الأساسية للإحصاءات الرسمية، وتراقب جودة عمل مختلف المتدخلين، مع إلزامها برفع تقرير سنوي إلى الملك، وإحالته كذلك على الحكومة والبرلمان لمناقشته. كما عزز المشروع مكانة المندوبية السامية للتخطيط، مانحا إياها استقلالا إداريا وماليا أكبر، مع آليات جديدة للتتبع والتقييم والتنسيق والمساءلة.

غير أن هذا الورش المؤسساتي يفتح، في المقابل، بابا واسعا لسؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت الدولة ترى أن الإحصاءات تحتاج إلى هيئة مستقلة لضمان نزاهتها، فلماذا لا ينطبق المنطق نفسه على قطاع الرياضة، الذي أصبح بدوره قطاعا استراتيجيا تتداخل فيه الأموال العمومية والاستثمارات الكبرى وصناعة صورة المغرب قاريا ودوليا؟

فالرياضة اليوم لم تعد مجرد منافسات داخل الملاعب، بل أصبحت صناعة اقتصادية، ودبلوماسية ناعمة، واستثمارا في الشباب، وأحد أبرز أدوات القوة الناعمة للمملكة. ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل حول مدى الحاجة إلى آلية مؤسساتية مستقلة تواكب حكامة هذا القطاع، وتتابع أداء المؤسسات الرياضية، وتكرس مبادئ الشفافية والاستقلالية والحياد في التقييم والتتبع.

إن التجارب المتراكمة خلال السنوات الماضية أظهرت أن النقاش العمومي حول تدبير الشأن الرياضي لا يقتصر على النتائج الرياضية وحدها، بل يمتد إلى قضايا الحكامة، وجودة التدبير، وتكافؤ الفرص، وآليات تقييم الأداء، وشفافية توزيع الموارد، وكيفية اتخاذ القرارات داخل المنظومة الرياضية. وهي قضايا أصبحت تحضر باستمرار في النقاشات الإعلامية والأكاديمية والبرلمانية.

ومن هنا، يبرز سؤال مؤسساتي يستحق النقاش: هل حان الوقت للتفكير في إحداث هيئة وطنية مستقلة لتتبع حكامة الرياضة المغربية، تكون مهمتها مراقبة احترام معايير الشفافية والنزاهة والحكامة الجيدة داخل مديرية الرياضة والجامعات الرياضية، مع إعداد تقارير دورية ترفع إلى المؤسسات الدستورية المختصة، بما يعزز ثقافة التقييم والمساءلة وفق الاختصاصات التي يحددها القانون؟

ولا يتعلق الأمر بخلق جهاز جديد لمراقبة الأشخاص، وإنما بإرساء مؤسسة تراقب احترام القواعد، تماما كما يحدث في مجالات الإحصاء والمنافسة والاتصال وحماية المعطيات الشخصية وغيرها من القطاعات التي اختارت الدولة أن تؤطرها بهيئات مستقلة حفاظا على الثقة في المؤسسات.

فوجود هيئة من هذا النوع قد يسهم في ترسيخ ثقافة الحكامة داخل القطاع الرياضي، من خلال تقييم الأداء، ورصد الاختلالات المؤسساتية إن وجدت، وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، وتوفير معطيات موضوعية تساعد صناع القرار على تطوير السياسات الرياضية وفق مؤشرات علمية بعيدا عن الانطباعات أو القراءات الظرفية.

كما يمكن أن يشكل ذلك دعامة إضافية لحماية الاستثمار العمومي في الرياضة، خاصة في مرحلة تستعد فيها المملكة لاحتضان استحقاقات رياضية كبرى، وتضخ فيها ميزانيات ضخمة لتطوير البنيات التحتية، وتأهيل الموارد البشرية، وتعزيز مكانة المغرب على الساحة الرياضية الدولية.

إن الرسالة التي تحملها إصلاحات النظام الإحصائي تبدو واضحة: كلما ازدادت أهمية قطاع معين، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات مستقلة تضمن جودة الحكامة داخله. ومن هذا المنطلق، قد يكون من المناسب فتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول سبل تعزيز آليات الحكامة في القطاع الرياضي، بما ينسجم مع مبادئ الدستور، ويخدم المصلحة العامة، ويعزز الثقة في المؤسسات الرياضية.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا أمام صناع القرار والرأي العام: إذا كانت الأرقام تحتاج إلى هيئة مستقلة تحمي مصداقيتها، أفلا تستحق الرياضة المغربية، بما تمثله من رهانات وطنية واستثمارات عمومية وآمال ملايين الشباب، آلية مؤسساتية مستقلة تعزز الشفافية، وترسخ ثقافة التقييم، وتواكب مسار الإصلاح والحكامة؟