ازدواجية الدولة كما يفضحها بوانو: حين تُعلن الحكومة 8 ساعات عمل وتُكرّس 12 ساعة في الواقع

0
105

في لحظة سياسية تتسم بارتفاع منسوب الخطاب الاجتماعي قبيل الاستحقاقات، فجّرت تغريدة عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب حزب العدالة والتنمية، جدلاً يتجاوز حدود مساءلة قطاعية ليضع الحكومة أمام اختبار المصداقية في واحد من أكثر الملفات حساسية: شروط العمل للفئات الهشة. فالمعطى الذي كشفه، والمتعلق باستمرار فرض 12 ساعة عمل يومياً وسبعة أيام في الأسبوع على حراس الأمن الخاص في صفقات تابعة لوزارة وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، لا يُقرأ فقط كاختلال إداري، بل كمرآة تعكس فجوة بنيوية بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.

في قلب هذا الجدل يقف الوزير يونس السكوري، الذي قدّم نفسه في الأسابيع الأخيرة كحامل لورشة إصلاحية تروم تقليص ساعات العمل إلى 8 ساعات، في خطوة قُدّمت للرأي العام كتحول نوعي في حماية حقوق هذه الفئة. غير أن ما أشار إليه بوانو يكشف، وفق منطقه، عن مفارقة حادة: كيف يمكن لوزارة أن تروّج لإصلاح وهي، عبر دفاتر تحملاتها، تعيد إنتاج نفس الشروط التي تعلن محاربتها؟ هنا، يتحول النقاش من مستوى “القرار” إلى مستوى “المصداقية”، ومن وعود السياسات إلى اختبار انسجام الدولة مع ذاتها.

التحليل الأعمق لهذه الواقعة يكشف أن الإشكال لا يرتبط فقط بصفقات الحراسة، بل بنمط تدبير عمومي قائم على ازدواجية مزمنة بين النصوص والتطبيق. فدفاتر التحملات، باعتبارها الأداة التقنية التي تُترجم بها السياسات إلى واقع، تصبح في هذه الحالة وثيقة كاشفة: إما أنها لم تُحدَّث بما يواكب الخطاب الجديد، أو أن الخطاب نفسه لم يبلغ بعد مرحلة التنفيذ. وفي الحالتين، يدفع العامل البسيط الثمن، حيث تتحول الوعود إلى عبء إضافي بدل أن تكون رافعة للإنصاف.

من زاوية اجتماعية، يسلّط هذا الجدل الضوء على هشاشة فئة حراس الأمن الخاص، الذين يشكلون إحدى أكثر القوى العاملة تعرضاً للاستغلال في السوق غير المهيكل أو شبه المهيكل. العمل لساعات طويلة دون راحة أسبوعية كافية لا يطرح فقط إشكالاً قانونياً، بل يمتد إلى أبعاد إنسانية وصحية تمس جودة الحياة والكرامة المهنية. وهنا، تبرز المفارقة الأكثر حدّة: حين تصبح الجهة المفروض فيها الحماية هي نفسها جزءاً من منظومة الضغط.

سياسياً، لا يمكن فصل هذا السجال عن سياق ما قبل نهاية الولاية الحكومية، حيث تشتد المنافسة على كسب المعركة الرمزية حول “من يدافع عن الفئات الهشة”. تغريدة بوانو ليست مجرد نقد، بل محاولة لإعادة تأطير النقاش العمومي: من تقييم الوعود إلى مساءلة النتائج. وهو ما يفسر نبرة الخطاب الحادة التي اعتمدها، من قبيل الحديث عن “ازدواجية” و”استغلال بشع”، وهي مفردات تعكس رهانات تتجاوز الواقعة نفسها نحو إعادة تشكيل صورة الفاعلين السياسيين في أعين الناخبين.

لكن الأهم في هذا النقاش ليس فقط تبادل الاتهامات، بل الأسئلة التي يطرحها ضمنياً: هل تعاني السياسات الاجتماعية في المغرب من أزمة تنفيذ أكثر منها أزمة تصور؟ وهل أصبح الخطاب الإصلاحي أداة تواصلية منفصلة عن آليات التنزيل؟ ثم، إلى أي حد يمكن للمواطن أن يثق في وعود لا تنعكس فوراً في دفاتر التحملات، أي في تفاصيل حياته اليومية؟

في النهاية، تكشف هذه الواقعة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان الإصلاحات، بل في القدرة على ترجمتها إلى إجراءات ملموسة ومتسقة. فبين “الخطاب” و”الواقع”، لا تُقاس السياسة بما يُقال، بل بما يُطبَّق، ولا يُختبر صدقها إلا في تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها بالنسبة للمواطنين… هي كل شيء.