شهادة المرأة تفجّر حرب التأويل: وهبي في مواجهة الكتاني بين “حداثة القانون” و”حرمة النص”

0
109

في سياق نقاش تشريعي حساس يتجاوز حدود التقنية القانونية إلى عمق المرجعيات الدينية والاجتماعية، تفجّرت مواجهة جديدة بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي ورئيس رابطة علماء المغرب العربي الحسن الكتاني، على خلفية التعديلات المثيرة للجدل التي همّت مشروع قانون تنظيم مهنة العدول، وخاصة ما يرتبط بمسألة شهادة المرأة داخل منظومة الإثبات.

القضية، التي تبدو في ظاهرها مرتبطة بصياغة قانونية، سرعان ما تحوّلت إلى ساحة تصادم رمزي بين رؤيتين: رؤية تعتبر أن النصوص الفقهية التقليدية جزء من الثوابت التي لا ينبغي تجاوزها، وأخرى ترى أن وظيفة القانون المدني هي الاستجابة لتحولات المجتمع وإعادة تأويل المرجعيات بما يضمن المساواة والنجاعة القضائية.

داخل البرلمان، كان تصريح وزير العدل بأن بعض الصيغ التقليدية المرتبطة بشهادة المرأة تعود إلى “سياقات تاريخية قديمة” بمثابة الشرارة التي أعادت فتح ملف العلاقة بين الفقه والقانون. هذا الموقف لم يمر دون رد، إذ اعتبره الحسن الكتاني مساسًا بحكم شرعي مستمد من القرآن، متسائلاً عن موقف المؤسسات العلمية الرسمية من هذا النوع من التصريحات، في إحالة مباشرة إلى المجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء.

في المقابل، اختار وهبي تصعيد خطابه السياسي–القانوني، مستحضراً، وفق ما نقلته عنه منابر إعلامية مغربية، خطاباً تحذيرياً من “القراءات المتشددة للنصوص الدينية”، ومؤكداً أن بعض التأويلات قد تُفرغ النص من مقاصده العامة إذا تم التعامل معها خارج سياقها التاريخي والاجتماعي. هذا التوجه يعكس، في عمقه، رؤية تعتبر أن النص القانوني يجب أن يُبنى على الاجتهاد المؤسساتي لا على القراءة الفقهية الأحادية.

وبين هذا وذاك، لم يتوقف النقاش عند حدود التصريحات، بل امتد إلى جوهر فلسفة الإثبات داخل النظام القانوني المغربي. فالمسألة التي فجّرت الجدل هي الصياغة المرتبطة بعدد الشهود وجنسهم، حيث أشار الوزير إلى أن إدراج تحديدات جامدة قد يفتح الباب أمام تأويلات متناقضة داخل القضاء، في وقت بدأت فيه بعض الاجتهادات القضائية فعلاً في قبول شهادة المرأة بشكل مستقل في ملفات معينة.

في خلفية هذا السجال، يبرز توتر أعمق بين تيارين: تيار إصلاحي يدفع نحو تحديث المنظومة القانونية بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والدستورية، وتيار محافظ يرى أن هذه التعديلات تمسّ توازناً فقهياً مستقراً عبر قرون، خاصة داخل المذهب المالكي الذي يشكل مرجعية أساسية في المغرب.

ولم يكن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بعيداً عن هذا النقاش، إذ سبق أن أشار في تقاريره إلى إشكالات نظام “شهادة اللفيف”، معتبراً أنه لم يعد متلائماً مع الواقع الديمغرافي والاجتماعي، في ظل تقلص البنيات العائلية وتغير أنماط العيش والهجرة. كما دعا إلى مراجعة آليات الإثبات نحو صيغ أكثر مرونة وملاءمة، بما في ذلك إدماج الوسائل الرقمية وتحديث شروط الشهادة.

من زاوية تحليلية، لا يبدو الخلاف مجرد مواجهة بين وزير وداعية، بل هو امتداد لنقاش أوسع حول موقع الدين في التشريع المدني، وحدود الاجتهاد القانوني في دولة تعتمد مرجعية إسلامية دستورية من جهة، وتتبنى في الوقت ذاته مساراً إصلاحياً تدريجياً في مدونة الأسرة والمنظومة القضائية من جهة ثانية.

وتكشف هذه الواقعة أن سؤال شهادة المرأة ليس موضوعاً فقهياً معزولاً، بل مدخلاً لنقاش أعمق حول إعادة توزيع السلطة التأويلية بين المؤسسات الدينية والدولة، وحول من يمتلك حق تعريف “المواكبة” و”الثبات” في زمن يتغير فيه المجتمع بسرعة تفوق أحياناً قدرة النصوص على الاستيعاب.

وفي المحصلة، يبدو أن معركة القانون لم تعد تدور فقط حول مواد مكتوبة داخل مشروع تشريعي، بل حول هوية المرجعية التي ستضبط مستقبل التشريع في المغرب: هل هي قراءة تقليدية ثابتة، أم اجتهاد مؤسسي مفتوح على التحولات؟