“سجنوا جيلاً كاملاً… لكن من سيحاكم الصمت الذي دفعه إلى الشارع؟”

0
113

في مساء مغربي بارد، كانت أمٌّ تقف أمام باب محكمة في مدينة بعيدة عن بيتها، تحمل كيسًا صغيرًا فيه ملابس شتوية ودفاتر مدرسية لم يعد ابنها يحتاجها داخل الزنزانة. كانت تسأل الحارس كل مرة: “هل سيسمحون له اليوم بالامتحان؟”. لم تكن تناقش السياسة ولا معنى “جيل زد”، كانت فقط تحاول أن تفهم كيف يمكن لطفل خرج ذات مساء يهتف ضد الغلاء والفساد أن يتحول في بضعة أسابيع إلى رقم داخل ملف قضائي ثقيل.

هكذا بدأت قصة حراك “جيل زد” في المغرب، ليس كتنظيم سياسي كلاسيكي، ولا كحركة أيديولوجية مؤطرة، بل كغضب شبابي متراكم انفجر في زمن تتقاطع فيه البطالة مع الإحباط الرقمي، وارتفاع الأسعار مع فقدان الثقة في المؤسسات. جيل تربى على الهواتف الذكية أكثر مما تربى داخل مقرات الأحزاب، جيل يرى العالم عبر “تيك توك” و”إنستغرام”، ويقارن يوميًا بين ما يعيشه وما يراه في أماكن أخرى. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول منصات التواصل إلى ساحات تعبئة، وأن تتحول الشوارع لاحقًا إلى امتداد لذلك الاحتقان الافتراضي.

لكن الدولة، التي تحمل ذاكرة ثقيلة مع الاحتجاجات الاجتماعية منذ سنوات، قرأت المشهد من زاوية مختلفة تمامًا. بالنسبة للمؤسسات الأمنية، لم يكن الأمر مجرد مطالب اجتماعية بريئة، بل موجة قابلة للانفجار في سياق إقليمي ودولي مضطرب، خصوصًا مع تنامي القلق العالمي من الحركات غير المؤطرة التي يصعب التنبؤ بمساراتها. هنا ظهر منطق “الاستباق الأمني” الذي تعتبره الدولة ضرورة لحماية الاستقرار ومنع الفوضى قبل وقوعها، خاصة بعدما شهدت بعض المدن أعمال عنف واشتباكات وتخريبًا متفرقًا، وفق الرواية الرسمية.

غير أن السؤال الذي بدأ يتردد بقوة داخل الأوساط الحقوقية والجامعية وحتى داخل قطاعات من الرأي العام، لم يكن حول حق الدولة في حفظ الأمن، بل حول طبيعة الوسائل المستخدمة وحدودها. هل يمكن حماية الاستقرار باعتقالات واسعة تشمل قاصرين؟ وهل يتحول الردع، عندما يتوسع، إلى وقود جديد للاحتقان بدل أن يكون وسيلة لإخماده؟

الأرقام التي تحدثت عنها اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك “جيل زد” صادمة بكل المقاييس: آلاف الموقوفين، مئات المعتقلين، ومحاكمات تمتد عبر مدن عديدة. لكن خلف الأرقام تختبئ قصص اجتماعية أكثر تعقيدًا. تلاميذ انقطعوا عن الدراسة في منتصف السنة، أسر فقيرة تضطر للسفر مئات الكيلومترات لحضور جلسات التأجيل، وآباء دخلوا فجأة إلى عالم المحامين والسجون والمحاكم دون أي استعداد نفسي أو مادي.

في الأحياء الشعبية، لا يتحدث الناس بلغة القانون الدولي ولا ببلاغات الجمعيات الحقوقية. هناك لغة أخرى أكثر قسوة: “ابني ضاع مستقبله”. وهذه الجملة وحدها تختصر جانبًا من المأساة التي يخشى كثيرون أن تتحول إلى ندبة جماعية داخل جيل كامل يشعر أصلًا بالتهميش.

الدولة من جهتها تبدو مقتنعة بأن أي تهاون مع موجات التعبئة الرقمية قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أخطر، خصوصًا في ظل التحولات التي يعرفها العالم. فحتى الديمقراطيات الغربية أصبحت أكثر تشددًا تجاه الاحتجاجات التي تخرج عن السيطرة أو تتداخل فيها الدعوات الرقمية مع العنف الميداني. لهذا يعتبر بعض المدافعين عن المقاربة الرسمية أن المغرب اختار “الحزم المبكر” لتجنب انفلات أكبر، وأن الحفاظ على الأمن العام ليس خيارًا ثانويًا في منطقة تعيش توترات متواصلة.

غير أن المعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في الأمن، بل في التوازن بين الأمن والعدالة. فحين يصبح القاصر متهمًا جنائيًا بدل أن يُنظر إليه باعتباره نتاجًا لفشل اجتماعي وتربوي واقتصادي، يبدأ النقاش في الانتقال من حماية النظام العام إلى سؤال أعمق يتعلق بصورة الدولة نفسها. هل الدولة أبٌ غاضب يعاقب أبناءه لحماية البيت، أم مؤسسة يفترض أن تفهم لماذا خرج هؤلاء الأبناء أصلًا إلى الشارع؟

الكثير من الحقوقيين يعتبرون أن الاعتقال الاحتياطي الواسع، خاصة في ملفات القاصرين، يحمل مخاطر قانونية وأخلاقية كبيرة، لأنه قد يحول العقوبة إلى واقع سابق للمحاكمة. بينما يرى آخرون أن القضاء وجد نفسه تحت ضغط غير مسبوق بين حماية النظام العام واحترام الضمانات الحقوقية، في لحظة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية.

وفي قلب هذا كله، يبرز سؤال الإعلام أيضًا. لماذا بدا المشهد وكأنه يُدار في فضاءين منفصلين؟ فضاء رسمي يركز على الأمن والاستقرار، وفضاء حقوقي يتحدث عن الانتهاكات والمعاناة الإنسانية، بينما غابت التغطية العميقة القادرة على نقل تعقيد الصورة كاملة. فالمجتمعات لا تُفهم بالبلاغات وحدها، بل بالاقتراب من البشر الذين يعيشون داخل العاصفة.

ما يكشفه حراك “جيل زد” في النهاية يتجاوز ملف الاعتقالات والمحاكمات. إنه يكشف التحول العميق الذي يعيشه المغرب بين جيل قديم ما زال يفكر بمنطق التنظيمات التقليدية، وجيل جديد يتحرك بسرعة الإنترنت وغضب الخوارزميات. جيل لا يثق كثيرًا في الوسائط السياسية الكلاسيكية، ويشعر أن صوته لا يُسمع إلا عندما يملأ الشارع أو يشتعل “الترند”.

وربما هنا تكمن أخطر نقطة في القضية كلها: ليس فقط كيف تعاملت الدولة مع الحراك، بل لماذا وصل هذا الجيل أصلًا إلى مرحلة يعتبر فيها أن الاحتجاج الرقمي والشارع هما لغته الوحيدة الممكنة. لأن الدول تستطيع إخماد الاحتجاجات بالقوة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها إخماد الشعور الجماعي بالاختناق.

وفي النهاية، قد تنتهي المحاكمات يومًا، وقد تُطوى الملفات القضائية، لكن السؤال الذي سيظل معلقًا فوق المشهد المغربي لسنوات هو: هل كان ما حدث أزمة أمنية فعلًا… أم صرخة جيل كامل كان يبحث فقط عن مكان له داخل وطن يشعر بأنه لم يعد يسمعه؟