قرار أممي جديد يضع أمن “المينورسو” تحت المجهر… هل يقترب ملف الصحراء من مرحلة المساءلة الدولية المباشرة؟

0
73

ليست كل القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن مرتبطة مباشرة بنزاع معين، لكن بعضها يحمل في طياته تأثيرات تتجاوز النصوص القانونية الجامدة لتصل إلى قلب الأزمات الدولية الأكثر حساسية. وهذا ما ينطبق على القرار الأممي رقم 2823 لسنة 2026، الذي اعتمده مجلس الأمن بالإجماع لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة ضد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، في خطوة تبدو للوهلة الأولى تقنية وإجرائية، لكنها في الواقع تعكس تحولا أعمق في فلسفة الأمم المتحدة تجاه أمن بعثاتها المنتشرة في مناطق النزاع حول العالم.

بالنسبة إلى المغرب وملف الصحراء، لا يمكن قراءة هذا القرار باعتباره مجرد وثيقة أممية إضافية تنضم إلى أرشيف مجلس الأمن. فبعثة “المينورسو” ليست مجرد مراقب ميداني في منطقة متنازع عليها، بل أصبحت خلال العقود الأخيرة أحد أهم مصادر المعطيات التي يعتمد عليها المجتمع الدولي في متابعة تطورات النزاع. ولذلك فإن أي تغيير في طريقة تعامل الأمم المتحدة مع التهديدات التي قد تطال أفراد هذه البعثة أو تجهيزاتها أو تحركاتها ينعكس بشكل مباشر على البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالنزاع.

القرار الجديد جاء في سياق دولي يتسم بارتفاع وتيرة الاعتداءات على قوات حفظ السلام الأممية في عدد من بؤر التوتر العالمية، من إفريقيا إلى الشرق الأوسط. الأمم المتحدة نفسها أقرت بأن عدد الهجمات ضد أفرادها ارتفع خلال السنوات الأخيرة، وأن نسبة ملاحقة المسؤولين عن هذه الاعتداءات ظلت ضعيفة للغاية، وهو ما دفع مجلس الأمن إلى الانتقال من مرحلة التنديد الأخلاقي إلى مرحلة بناء آليات أكثر صرامة للتوثيق والتحقيق والمتابعة.

هذا التحول ليس تفصيلا إداريا. فالمجلس لم يكتف هذه المرة بالدعوة إلى حماية “الخوذ الزرقاء”، بل طالب بتوثيق فوري للحوادث، وإنشاء سجلات دقيقة للوقائع، وتوفير الأدلة للجهات المختصة، وتعيين مسؤول أممي رفيع المستوى لمتابعة ملفات المساءلة، فضلا عن إلزام الأمين العام بتقديم تقارير دورية حول التحقيقات والملاحقات القضائية المرتبطة بأي اعتداءات تستهدف قوات حفظ السلام. بمعنى آخر، أصبح هناك مسار مؤسساتي دائم لمتابعة هذه القضايا بدل الاكتفاء بالتقارير الموسمية أو ردود الفعل الظرفية.

هنا تبرز أهمية القرار بالنسبة لجبهة البوليساريو. فمنذ استئناف التوترات العسكرية شرق الجدار الأمني سنة 2020، سجلت الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة حوادث مرتبطة بسقوط مقذوفات أو وقوع عمليات عسكرية في مناطق قريبة من تحركات أو مواقع بعثة “المينورسو”. ورغم أن هذه الحوادث كانت تخضع للرصد والتبليغ، فإن القرار الجديد يضيف مستوى آخر من التدقيق والمتابعة، بحيث لم يعد أي حادث يطال أفراد البعثة أو ممتلكاتها مجرد واقعة ميدانية عابرة، بل قد يتحول إلى ملف يخضع للمساءلة الدولية المنتظمة.

وتكمن حساسية هذا التطور في أن النزاعات الحديثة لم تعد تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية أو الشرعية السياسية، بل أصبحت تُقاس أيضا بقدرة الأطراف على احترام قواعد النظام الدولي. فحين تصبح سلامة بعثة أممية جزءا من منظومة مراقبة عالمية تشمل التحقيق والتوثيق والتقارير الدورية، فإن أي جهة تجد نفسها موضع اتهام باستهداف تلك البعثة ستواجه تكلفة سياسية ودبلوماسية أكبر بكثير مما كان عليه الوضع في السابق.

ومن زاوية أوسع، فإن القرار يكشف تحولا في نظرة الأمم المتحدة إلى مفهوم حفظ السلام نفسه. فخلال عقود طويلة كان التركيز منصبا على حماية المدنيين ومنع تجدد النزاعات، أما اليوم فإن المنظمة الدولية بدأت تدرك أن حماية قواتها أصبحت شرطا أساسيا لاستمرار قدرتها على أداء مهامها. لذلك لم يعد استهداف أفراد البعثات الأممية يُنظر إليه باعتباره حادثا عرضيا ناتجا عن ظروف الحرب، بل باعتباره سلوكا يمكن أن يرقى إلى مستوى الجرائم الخطيرة التي تستوجب الملاحقة والمحاسبة. وقد شدد مجلس الأمن صراحة على أن الاعتداءات ضد قوات حفظ السلام قد تشكل جرائم حرب وأن الإفلات من العقاب لم يعد خيارا مقبولا.

أما بالنسبة لسكان المنطقة، فإن التأثير لا يتوقف عند حدود النقاش القانوني. فكلما ازدادت أهمية أمن البعثة الأممية، ازدادت معها الرقابة الدولية على المجال الذي تتحرك فيه. وهذا يعني أن أي تصعيد عسكري أو حادث أمني مستقبلي قد يحظى بمتابعة أكبر داخل أروقة مجلس الأمن، بما يحمله ذلك من انعكاسات على صورة الأطراف المعنية وعلى مسار التسوية السياسية التي تحاول الأمم المتحدة إحيائها منذ سنوات.

اللافت أيضا أن القرار لم يوجه رسالته إلى أطراف النزاعات فقط، بل إلى الدول نفسها. فهو يدعو جميع الجهات المعنية إلى التعاون الكامل مع التحقيقات، ويمنح الأمين العام صلاحيات أوسع في متابعة ملفات المساءلة، ويطالب بتقارير سنوية منتظمة حول الجرائم المرتكبة ضد قوات حفظ السلام. وهذا يعني أن المجتمع الدولي يتجه نحو بناء ذاكرة مؤسساتية دائمة لهذه الحوادث، بحيث لا تختفي الوقائع مع مرور الزمن أو تغير الظروف السياسية.

وفي العمق، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان القرار سيزيد الضغوط على البوليساريو أو على أي طرف آخر في مناطق انتشار عمليات حفظ السلام، بل ما إذا كانت الأمم المتحدة بدأت تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها أمن بعثاتها جزءا من معادلة الشرعية الدولية نفسها. فإذا كانت المنظمة الدولية قد أمضت عقودا وهي تراقب النزاعات وتحاول منع انفجارها، فإنها تبدو اليوم أكثر إصرارا على حماية أدواتها الخاصة للمراقبة والمتابعة.

وهنا يبرز سؤال أكبر من القرار ذاته: هل نحن أمام بداية انتقال الأمم المتحدة من دور “الشاهد” على النزاعات إلى دور أكثر فاعلية في تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتسببين في تهديد بعثاتها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف ستتعامل الأطراف المتنازعة مستقبلا مع واقع جديد تصبح فيه كل طلقة، وكل مقذوف، وكل حادث يطال قوات حفظ السلام جزءا من ملف دولي مفتوح لا يغلق بانتهاء المعركة، بل يبدأ منها؟