هندسة العبور الكلي: لقجع من زنزانة الميزانية إلى عراء السياسة

0
92

لم يكن نزول فوزي لقجع في أكادير مرتدياً قبعة “الأصالة والمعاصرة” مجرد نشاط حزبي روتيني لتلقين القواعد أدبيات التعبئة؛ بل كان لحظة إعلان رسمية عن خروج “التكنوقراط الأقوى في العقد الأخير” من مظلة المكاتب المكيفة والمصورة بالتحفظ الإداري، إلى عراء الشارع السياسي بمخاطره وحساباته. إن الظهور الأول للرجل المكلف بالمالية والميزانية في منصة حزبية لا يعبر عن رغبة شخصية في بطاقة انخراط، بقدر ما يفصح عن تحول في وظيفة الرجل داخل بنية الحكم: الانتقال من دور “المهندس المالي” الذي يدرء العجز خلف الكواليس، إلى دور “الفاعل السياسي” الذي يطلب الشرعية المباشرة ويتلقى الصدمات في الواجهة.

في الخطاب المعلن، حرص لقجع على استدعاء لغة “المواضع البسيطة”؛ التأكيد على عدم البحث عن المناصب، والتستر خلف التعيينات الملكية السابقة كتزكية أخلاقية تعفيه من التكالب على المقاعد. غير أن هذا التواضع الخطابي يحمل في بطنه إقراراً مضمراً بأزمة الشرعية التي تطارد التكنوقراط عندما يتصدون للشأن العام. لقد أدرك لقجع – ومن يقف خلف هندسة تموقعه الجديد – أن شرعية الإنجاز الرياضي والمالي لم تعد كافية لحمايته من غضب الشارع وتساؤلاته الحارقة حول الغلاء وتآكل القدرة الشرائية؛ فكان لا بد من الاستظلال بسقف حزبي يمنحه مظلة للوقاية السياسية، ويمنح الحزب في المقابل كفاءة تنفيذية زنيدة تفتقر إليها أدبياته المترهلة.

تتضح في هذا التحول محاولة صريحة لربط “التكنوقراطية بالسياسة”، عبر خلق نموذج جديد يُقدم للمواطنين تحت مسمى “لغة الصدق والمعقول”. وحين يعلن الرجل استعداد للنزول إلى “الدواوير” والحديث مع الشباب، فهو لا يمارس التواصل الحزبي بقدر ما يمارس عملية “امتصاص للصدمات”. إنه محاولة لتفكيك الفكرة الشائعة التي تربط اسمه بالإنفاق المظهري في الملاعب والتظاهرات الكبرى، وتحويل مركز الثقل في صورته الذهنية نحو الانشغال بالميزانية اليومية للمواطن البسيط. هنا يتحول الهجوم المتكرر على غلاء المعيشة من تهمة توجه لوزير الميزانية، إلى ملف سياسي يتبناه الفاعل الحزبي الجديد ليعيد صياغته بحجج الأرقام والمكاشفة الصارمة.

إن القراءة الفاحصة لما بين السطور تكشف أن الساحة السياسية المغربية تشهد عملية إعادة هيكلة ناعمة لأدوار الوساطة. فمع تراجع الثقة في النخب الانتخابية التقليدية، يتم دفع الشخصيات التنفيذية ذات القبول الجماهيري المتشكل خارج السياسة (كالرياضة) نحو الميدان الحزبي، لترميم الفراغ وإعادة بناء جسور الثقة مع القواعد الهشة. لقجع لا يبيع الأوهام في خطابه لأنه يعرف حدود الميزانية التي يمسك بمفاتيحها، لكنه يبيع “عقلنة التوقعات”؛ وهي بضاعة جديدة في سوق السياسة المغربية تهدف إلى إقناع المواطن بأن حدود الممكن الاقتصادي أضيق بكثير من الأحلام الانتخابية.

تتجاوز هذه الخطوة حدود الرغبة في خوض انتخابات قادمة، لتصل إلى رغبة أعمق في “صناعة رجال الدولة التعدديين”؛ أولئك الذين يجمعون بين الصرامة الماكرو-اقتصادية القدرة على إدارة الحوار الاجتماعي الشاق. غير أن الرهان الحقيقي لهذه التجرِبة لا يكمن في بلاغة العروض الحزبية ولا في تنظيم اللقاءات التوافقية، بل في قدرة هذا النموذج التكنو-سياسي على الصمود عندما تلتقي أرقام الميزانية الصارمة بالاحتياجات الاجتماعية الملحة في أعماق القرى والدواوير؛ هناك حيث لا تسعف دبلوماسية الكرة ولا لغة الأرقام الجافة، ولا يبقى إلا الامتحان العاري للقدرة الشرائية.