مسار الصحراء في واشنطن: مسؤولية الأطراف الأربع وتزايد الضغط الدبلوماسي على الجزائر

0
114

في لحظة دولية دقيقة، أعادت الأمم المتحدة وضع ملف الصحراء في قلب دينامية تفاوضية جديدة، بإعلانها أن جولة واشنطن الجارية تُعقد برئاسة مشتركة بينها وبين الولايات المتحدة، وتهدف صراحة إلى “تنفيذ” قرار مجلس الأمن رقم 2797. الإعلان لم يكن تقنيًا عابرًا في إحاطة صحفية يومية، بل حمل في طياته إشارات سياسية متعددة المستويات، تتجاوز الشكل الإجرائي إلى إعادة تثبيت قواعد اللعبة وحدودها.

المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أكد أن المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، يترأس بشكل مشترك مع السفير الأمريكي لدى المنظمة الأممية، مايكل والتز، المفاوضات الجارية في واشنطن. دلالة “الرئاسة المشتركة” هنا ليست مجرد ترتيب بروتوكولي؛ إنها تعكس انتقال الملف من مستوى إدارة أممية تقليدية إلى صيغة تنسيق مباشر مع واشنطن، بما يحمله ذلك من ثقل سياسي واستراتيجي.

الأمم المتحدة شددت أيضًا على أن “نفس الأشخاص” الذين شاركوا في مفاوضات مدريد هم أنفسهم الحاضرون في واشنطن، في إشارة واضحة إلى المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة “البوليساريو”. هذا التأكيد يعيد تثبيت معادلة الأطراف الأربعة، ويقطع الطريق أمام أي محاولة لإعادة تأويل طبيعة النزاع أو حصره في طرفين فقط. فحضور الجزائر مجددًا، إلى جانب المغرب وموريتانيا، وجبهة البوليساريو، يعكس اعترافًا عمليًا باستمرارية الصيغة الرباعية التي اعتمدها مجلس الأمن في قراراته الأخيرة.

قرار مجلس الأمن 2797، الذي تم اعتماده في 31 أكتوبر 2025، لا يكتفي بالدعوة إلى استئناف المفاوضات، بل يربطها صراحة بإطار محدد: التفاوض على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007. وهنا يكمن البعد الأعمق للجولة الحالية. فحين تتحدث الأمم المتحدة عن “تنفيذ” القرار، فهي لا تفتح مسارًا تفاوضيًا من الصفر، بل تحيل إلى مرجعية قائمة، سبق أن عرضتها الرباط بالتفصيل في جولة مدريد، باعتبارها أرضية واقعية وذات مصداقية.

الجولة السابقة في مدريد، التي احتضنتها السفارة الأمريكية، كشفت عن مستوى تمثيل سياسي رفيع، إذ قاد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة الوفد المغربي، ونظيره أحمد عطاف الوفد الجزائري، بينما مثل موريتانيا وزير خارجيتها، وقاد وفد “البوليساريو” محمد يسلم بيسط. إعادة إنتاج نفس التركيبة في واشنطن تعني أن النقاش لم يعد حول من يجلس إلى الطاولة، بل حول ما الذي يمكن إنجازه فوقها.

لكن ما يجري في واشنطن يتسم أيضًا بصمت محسوب. دوجاريك أوضح أن دي ميستورا يعتزم التزام الصمت “لمنح هذه المفاوضات أفضل فرصة للنجاح”. هذا الصمت، في القراءة الدبلوماسية، يعكس حساسية المرحلة: فكل تسريب أو تصريح قد يعيد الملف إلى مربع التصلب الإعلامي، بينما الرهان اليوم هو اختبار إمكان تحويل التراكم القراري داخل مجلس الأمن إلى مسار تفاوضي فعلي.

الأبعاد المضمرة للجولة لا تقل أهمية عن ظاهرها. فالرئاسة المشتركة مع واشنطن توحي بأن الولايات المتحدة لا تكتفي بدعم المسار الأممي من الخارج، بل تنخرط فيه مؤسساتيًا. كما أن تأكيد مشاركة الجزائر يحمل رسالة واضحة مفادها أن المجتمع الدولي ينظر إلى النزاع باعتباره إقليميًا في امتداداته، وليس مجرد خلاف ثنائي. في المقابل، يضع ذلك الجميع أمام مسؤولية مباشرة: فالفشل لن يكون قابلًا للتسويق بوصفه نتيجة “تعنت طرف آخر”، بل سيُقرأ كعجز جماعي عن التقاط فرصة سياسية جديدة.

وهكذا، تتحول جولة واشنطن إلى ما يشبه اختبار النوايا تحت سقف القرار 2797. ليست مفاوضات استكشافية، ولا لقاءات بروتوكولية لالتقاط الصور، بل محاولة لترجمة نص أممي إلى خطوات عملية. وبين صمت المبعوث الأممي، وثقل الرعاية الأمريكية، وإعادة تثبيت معادلة الأطراف الأربعة، يقف الملف أمام لحظة مفصلية: إما تثبيت مسار سياسي واقعي ينطلق من مقترح الحكم الذاتي، أو العودة إلى دائرة الجمود التي استهلكت سنوات من الزمن الدبلوماسي دون اختراق حاسم.