محاولات الهجرة السرية نحو “الكناري” ترتفع مع تحسن الحالة الجوية… والضغط يتصاعد من عمق الجنوب الإفريقي

0
173

مع كل تحسن في الأحوال الجوية، لا يتحسن البحر وحده… بل تتحرك معه شبكات الهجرة غير النظامية، وتُعاد صياغة خرائط العبور في صمت. هكذا، ومع انحسار رياح الشتاء وهدوء نسبي في علوّ الأمواج، ارتفعت من جديد محاولات الهجرة السرية انطلاقا من السواحل الجنوبية للمملكة نحو جزر الكناري، في مسار أطلسي يُعدّ من أخطر طرق العبور في العالم.

أول أمس الاثنين، بعرض سواحل الداخلة، اعترضت وحدات تابعة لـالقوات المسلحة الملكية، عبر البحرية الملكية، زورقا تقليديا على متنه 189 مرشحا للهجرة غير النظامية، ينحدرون من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. كانوا يراهنون على “نافذة مناخية” مواتية لعبور المسافة الطويلة نحو الأرخبيل الإسباني. بعضهم كان في وضع صحي هش، وتلقى إسعافات أولية على متن القطعة البحرية قبل نقله إلى ميناء الداخلة وتسليمه إلى مصالح الدرك الملكي لاستكمال الإجراءات القانونية.

لكن خلف هذا المشهد الأمني الظاهر، تتحرك ديناميات أعمق. فالمسار الأطلسي ليس مجرد خط ملاحي، بل معادلة معقدة تتداخل فيها الجغرافيا بالمناخ، والاقتصاد بالسياسة، والأمل بالمخاطرة. الدراسات البحرية تؤكد أن هذا الطريق يتسم بخطورة ملاحية مرتفعة، بسبب قوة التيارات البحرية، وتقلب اتجاهات الرياح، وطول المسافة الفاصلة بين السواحل الجنوبية للمغرب وجزر الكناري. غير أن نهاية الشتاء وبداية الربيع غالبا ما تخلق استقرارا نسبيا في الرياح وارتفاع الأمواج، ما يشكل ما يمكن وصفه بـ“نافذة تشغيل ملاحية” تستغلها شبكات التهريب بدقة.

اللافت أن تحسن الأحوال الجوية لا يصنع الظاهرة في أصلها، بل يرفع من وتيرتها الزمنية. فشبكات الهجرة لا تتحرك عشوائيا؛ بل تتابع نشرات الطقس، واتجاهات الرياح، وحركة التيارات البحرية، وتنسق انطلاقاتها وفق حسابات دقيقة للكلفة والمخاطر. هنا تتقاطع الجغرافيا المناخية مع الجغرافيا السياسية في إنتاج تحولات مجالية مستمرة في مسارات العبور، حيث تتحول الحدود من خط فاصل إلى فضاء ديناميكي لإعادة التموضع.

غير أن المناخ، رغم أهميته، يبقى عاملا ظرفيا. العوامل الحاسمة تظل اقتصادية–اجتماعية وجيوسياسية بالدرجة الأولى: اختلالات التنمية في دول المصدر، هشاشة الأوضاع الاقتصادية، النزاعات، وشبكات الاتجار بالبشر التي تتغذى من الفوارق الصارخة بين الشمال والجنوب. طريق الهجرة، في هذا المعنى، ليس سوى مرآة لاختلال التوازن العالمي.

في المقابل، تميل الأجهزة الأمنية المغربية إلى رفع مستوى اليقظة كلما تحسنت شروط الملاحة. البحرية الملكية تكثف دورياتها الاستباقية، تعزز المراقبة الساحلية، وتنسق مع الشركاء الأوروبيين في تبادل المعلومات، ضمن مقاربة تجمع بين البعد الإنساني والبعد السيادي. فالتدخل في عرض البحر ليس فقط عملية أمنية لردع العبور غير النظامي، بل أيضا مهمة إنقاذ لأرواح تُزجّ في مسار محفوف بالموت.

ومع ذلك، يبقى السؤال معلقا: هل يكفي تشديد الرقابة للحد من الظاهرة؟ التجربة الميدانية تشير إلى أن المواجهة بين الرقابة والرغبة في الهجرة تتحول إلى حلقة متواصلة؛ كلما أُغلق مسار فُتح آخر، وكلما اشتدت المراقبة ارتفعت كلفة العبور ومخاطره. الحدود لم تعد مجرد خطوط جغرافية، بل صارت فضاءات تحول دائم، تعيد شبكات الهجرة تشكيلها باستمرار.

إن ما يجري قبالة سواحل الداخلة ليس حادثا معزولا، بل فصل من قصة أكبر تُكتب على امتداد الأطلسي: قصة شباب يهربون من انسداد الأفق، وشبكات تستثمر في اليأس، ودول تحاول التوفيق بين واجب الإنقاذ وواجب الحماية. وبين هدوء البحر واضطراب اليابسة، تتجدد المحاولات… لأن الجذر أعمق من الموج، وأقسى من الريح.