اعتراف حكومي باختلالات بنيوية في قانون نزع الملكية… هل يبدأ تصحيح المسار؟

0
205

في خطوة تعكس اعترافًا رسميًا بحجم الاختلالات التي طبعت مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، أقرت الحكومة بوجود ثغرات بنيوية في القانون المؤطر لهذه العملية، وقدمت مشروع قانون جديد يهدف إلى تجاوز التعقيدات الإدارية والقضائية التي أفضت إلى تراكم الشكايات وتأخر صرف التعويضات. ويأتي هذا التحرك التشريعي في سياق تصاعد الانتقادات المرتبطة بتطبيق القانون رقم 7.81، خاصة مع تزايد الأوراش الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية والاستعدادات لمشاريع استراتيجية تتطلب وعاء عقاريا واسعًا، ما أعاد النقاش حول التوازن بين المصلحة العامة وحماية الملكية الخاصة إلى الواجهة.

فقد كشف التقرير السنوي الأخير لوسيط المملكة أن اختلالات مسطرة نزع الملكية ألحقت أضرارًا كبيرة بالمواطنين، لاسيما في الحالات التي يتأخر فيها أداء التعويضات رغم صدور أحكام بنقل الملكية. وأوضح التقرير أن حجم التظلمات والشكايات المسجلة في هذا المجال يعكس معاناة فعلية للأسر التي تعتمد على العقار المنزوع كليًا أو جزئيًا كمصدر رزق، مما يفاقم أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية في ظل غياب آليات ناجعة تضمن تنفيذ الأحكام داخل آجال معقولة. كما شددت المؤسسة على أن استمرار هذا الوضع يفرغ النص القانوني من مضمونه، داعية إلى تدخل تشريعي عاجل لتجاوز ما وصفته بالوضع غير المتوازن وغير الطبيعي.

من جهته، أكد وزير التجهيز والماء نزار بركة، في عرض تقديم مشروع قانون تعديل وتتميم القانون رقم 7.81، أن النص الحالي يعاني من تعقيد المساطر الإدارية والقضائية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على احترام الآجال القانونية ويؤدي إلى بطء في تصفية الملفات وتأخر في صرف التعويضات. وأشار إلى أن غياب معايير موضوعية واضحة لتحديد مبالغ التعويض يخلق تفاوتًا في التقديرات ويصعّب تحقيق توازن فعلي بين متطلبات التنمية وحماية الحقوق الفردية، فضلاً عن ضعف الضمانات القانونية المقررة للمنزوعة ملكياتهم، ما يجعل القانون في بعض الحالات يميل عمليًا لصالح الإدارة.

ويأتي الإصلاح المقترح في ظل تصاعد الحاجة إلى العقار لتنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، حيث لم يعد الوعاء العقاري المتوفر لدى الدولة كافيًا لتلبية متطلبات هذه الأوراش. ويسعى المشروع الجديد إلى تقليص الآجال الفاصلة بين مقرر إعلان المنفعة العامة ومقرر التخلي من سنتين إلى سنة واحدة، مع تخفيض أجل رفع دعوى نقل الملكية إلى سنة أيضًا، في محاولة لتسريع المساطر وتقليص فترات الانتظار التي تمتد أحيانًا لسنوات.

كما ينص المشروع على تعزيز الشفافية عبر اعتماد النشر الإلكتروني لمختلف الإجراءات المرتبطة بعملية نزع الملكية، ومنع تسليم تراخيص البناء أو الترميم أو الإصلاح داخل المناطق المحددة في مرسوم إعلان المنفعة العامة دون موافقة صريحة من الجهة النازعة، وذلك للحد من المضاربات العقارية التي قد تنشأ بعد الإعلان. إضافة إلى ذلك، يقترح النص الجديد عقلنة طرق تحديد التعويضات من خلال وضع قواعد وضوابط أوضح، مع التنصيص على أن تنفيذ أمر الحيازة يتم على الأصل بعد أداء التعويض المحدد أو إيداعه لدى صندوق الإيداع والتدبير، بما يضمن حماية أكثر فعالية لحقوق المالكين.

وفي المحصلة، يعكس المشروع الحكومي محاولة لإعادة ضبط المنظومة القانونية لنزع الملكية وتجاوز الاختلالات المتراكمة، غير أن فعاليته ستظل مرهونة بمدى حسن التطبيق ووجود آليات رقابية تضمن احترام الآجال وصون حقوق المتضررين، حتى يتحقق التوازن المنشود بين متطلبات التنمية وحماية الملكية الخاصة في إطار من العدالة والإنصاف.