في خضمّ موجةٍ جديدة من الشائعات التي اجتاحت الفضاء الرقمي والإعلامي، خرجت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لتضع حدًا – للمرة الثانية خلال يومين – لما وصفته بـ”الأخبار المتداولة” بشأن تعيين مدرب جديد للمنتخب الوطني الأول خلفًا لوليد الركراكي. بيان مقتضب، بلغة حاسمة، أعاد التأكيد على أن كل ما يرتبط بمستقبل المنتخب سيُعلن عنه “في وقته المناسب”، في إشارة مزدوجة: نفي رسمي، ورسالة ضمنية بأن القرار – إن وُجد – يظل حكرًا على المؤسسة.
غير أن تكرار النفي في حد ذاته يكشف حجم الارتباك الذي أحدثته خسارة نهائي كأس الأمم الأفريقية الأخيرة في الرباط أمام منتخب السنغال لكرة القدم، في مباراة انتهت بهدف دون رد بعد شوطين إضافيين، وشابتها توترات واحتجاجات أثّرت على نسقها وصورتها. كانت تلك الخسارة صادمة لجمهور كان يرى في النسخة المقامة على الأرض المغربية فرصة تاريخية لاستعادة لقب غاب منذ 1976، لا سيما بعد المسار التصاعدي الذي عاشه المنتخب في السنوات الأخيرة.
منذ تعيينه في أغسطس 2022، قاد وليد الركراكي مشروعًا كرويًا بلغ ذروته في مونديال قطر، حين أصبح المغرب أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. ذلك الإنجاز التاريخي منح الركراكي شرعية رمزية وجماهيرية واسعة، ورسّخ صورة جيل ذهبي قادر على منافسة الكبار. لكن كرة القدم لا تعترف بالرصيد الرمزي وحده؛ فهي محكومة بمنطق النتائج الآنية، وضغط التوقعات، وإدارة اللحظات الفاصلة.
الجدل الدائر اليوم لا ينفصل عن التحولات العميقة التي عرفها المنتخب. فبعد ملحمة المونديال، ارتفع سقف الانتظارات إلى مستوى غير مسبوق. كل بطولة باتت تُقرأ باعتبارها امتدادًا لذلك الإنجاز، وكل تعثر يُؤوّل كإشارة تراجع. وفي سياق كهذا، تصبح خسارة نهائي قاري – حتى وإن كانت بعد مسار قوي – مادة خصبة للتأويلات: هل بلغ المشروع سقفه؟ هل تحتاج المنظومة إلى نفس جديد؟ أم أن الاستمرارية هي الخيار الأكثر عقلانية قبل استحقاق أكبر؟
الاستحقاق المقصود هنا هو كأس العالم 2026، التي ستقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وهو موعد يفرض على صانع القرار الكروي المغربي حسابات دقيقة بين خيارين: الحفاظ على الاستقرار الفني الذي أثبت فعاليته في محطة تاريخية، أو المغامرة بتغيير قد يُربك التوازن في مرحلة تحضيرية حساسة. في تجارب المنتخبات الكبرى، غالبًا ما يكون التغيير قبل المواعيد العالمية الكبرى سيفًا ذا حدين؛ يمنح دفعة معنوية أحيانًا، لكنه قد يبدد الانسجام التكتيكي والبشري الذي يحتاج سنوات لبنائه.
ثمة بعد آخر في هذا الجدل، يتمثل في طبيعة العلاقة بين المؤسسة والجمهور. فالتأخر في حسم النقاش – ولو عبر نفي رسمي – يترك فراغًا تملؤه الإشاعة. وتكرار البيانات يعكس إدراك الجامعة لحساسية اللحظة، لكنه يكشف أيضًا أن الثقة العامة باتت أكثر هشاشة بعد خسارة كان يُنتظر أن تتحول إلى تتويج تاريخي. في السياق المغربي، حيث بات المنتخب رمزًا للنجاح الوطني العابر للرياضة، تتحول القرارات الفنية إلى قضايا رأي عام.
السؤال الأعمق إذن لا يتعلق فقط ببقاء الركراكي أو رحيله، بل بمستقبل المشروع الكروي ككل: هل نحن أمام مرحلة إعادة تقييم هادئة داخل دواليب الجامعة؟ أم أمام ضغط جماهيري وإعلامي يسعى إلى محاسبة فورية؟ النفي الرسمي يوقف الشائعة، لكنه لا ينهي النقاش. لأن ما بعد الإنجاز التاريخي ليس كقبله؛ فالمعيار تغيّر، والرهان أصبح مضاعفًا.
في المحصلة، يبدو أن الجامعة اختارت – في هذه المرحلة – منطق الاستمرارية والانضباط المؤسسي، على الأقل على مستوى الخطاب. أما القرار الحقيقي، فسيُقاس ليس فقط باسم المدرب الذي سيقود “أسود الأطلس”، بل بمدى قدرة المنظومة على تحويل خيبة نهائي قاري إلى محطة تصحيح، استعدادًا لموعد عالمي لا يحتمل الارتجال.