في ظل تصاعد المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وما رافقها من اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، عادت معادلة الأمن الطاقي لتفرض نفسها بقوة على أجندة السياسات الاقتصادية. ومع بلوغ أسعار النفط مستوى 85 دولارًا للبرميل، مقارنة بفرضية 65 دولارًا التي بُني عليها قانون المالية، خرجت وزيرة الاقتصاد والمالية لتؤكد أن المغرب وضع ما وصفته بـ“خطة استباقية” قادرة على امتصاص الصدمات، في محاولة لطمأنة الأسواق والرأي العام في آن واحد.
تصريحات الوزيرة لم تكن مجرد قراءة تقنية لأرقام الموازنة، بل حملت رسائل سياسية واقتصادية واضحة مفادها أن الدولة تستعد لأسوأ السيناريوهات في سياق دولي شديد التقلب. فالإشارة إلى المتابعة الدقيقة للتطورات الإقليمية، وإلى امتلاك أدوات مالية واحتياطيات من العملة الصعبة، تعكس إدراكًا رسميًا بأن أي اتساع في رقعة النزاع قد ينعكس مباشرة على كلفة الطاقة وسلاسل الإمداد والتوازنات المالية.
وتستند الحكومة في خطابها الدفاعي إلى رصيد من التجارب السابقة، خاصة خلال أزمة جائحة كوفيد-19 وتداعيات الحرب في أوكرانيا، حين اضطرت السياسات العمومية إلى التدخل لحماية القدرة الشرائية وضبط أسعار بعض المواد الاستراتيجية. هذا التراكم، وفق الطرح الحكومي، أتاح تطوير آليات تدخل أكثر مرونة، وربما أكثر سرعة في الاستجابة للأزمات الخارجية المفاجئة.
على المستوى الهيكلي، ركزت الوزيرة على ثلاثة عناصر تعتبرها الحكومة خطوط دفاع اقتصادية: احتياطيات مريحة من العملة الصعبة، وتنويع متزايد في مصادر الطاقة، وتوسّع في الطاقات المتجددة داخل المزيج الطاقي الوطني. غير أن هذا الخطاب يكشف ضمنيًا اعترافًا باستمرار هشاشة الاقتصاد المغربي أمام الصدمات الخارجية، بالنظر إلى اعتماده الكبير على الاستيراد الطاقي وتقلبات السوق الدولية.
اللافت في التصريحات هو التعامل الواقعي مع فارق السعر بين الافتراض المدمج في قانون المالية (65 دولارًا) والسعر الفعلي الذي يقترب من 85 دولارًا. هذا الفارق يعكس ضغطًا محتملًا على نفقات الدعم وكلفة الاستيراد، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة الميزانية على الصمود إذا استمرت الأسعار في الارتفاع أو تجاوزت هذا المستوى خلال الأشهر المقبلة.
وفيما يتعلق بالغاز، شددت المسؤولة الحكومية على أن استهلاكه داخل المغرب يظل محدودًا ومحصورًا في نطاقات صناعية ومحلية معينة، ما يقلل – في تقديرها – من درجة التعرض لمخاطر التقلبات العالمية. إلا أن هذا الطرح يفتح بدوره نقاشًا أوسع حول مدى تقدم مشاريع الربط الطاقي البديل، وتنويع مصادر التوريد، وتعزيز السيادة الطاقية على المدى المتوسط.
اقتصاديًا، حاولت الوزيرة ربط الاستقرار السياسي والمؤسساتي بجاذبية الاستثمار الأجنبي، معتبرة أن المغرب يستفيد من موقعه الجغرافي الاستراتيجي ومن تطور بنيته التحتية ومن تراكم نجاحاته الصناعية، خصوصًا في قطاعات السيارات والطيران. وفي هذا السياق، تم تقديم استثمار شركة “سافران” بقيمة 500 مليون أورو مع توقع خلق 800 منصب شغل كنموذج ملموس على ثقة المستثمرين الدوليين في البيئة الاقتصادية المغربية.
غير أن قراءة أعمق لهذه الإشارات تُظهر أن الحكومة تسعى من خلال إبراز هذه المشاريع إلى إرسال رسالة مزدوجة: أولًا تثبيت صورة الاستقرار وسط منطقة مضطربة، وثانيًا طمأنة الأسواق بأن الاقتصاد المغربي ما يزال قادرًا على جذب استثمارات استراتيجية حتى في أوقات التوتر الجيوسياسي.
كما يتضح من الطرح الحكومي أن الرهان لا يقتصر على الصناعات الثقيلة أو القطاعات التصديرية الكبرى، بل يمتد إلى تعزيز الإدماج المحلي داخل سلاسل القيمة العالمية، بما يسمح للمقاولات الصغيرة والمتوسطة بالاندماج في الدينامية الاستثمارية وتحقيق قيمة مضافة داخلية بدل الاكتفاء بالدور الهامشي.
على مستوى أوسع، تندرج هذه التصريحات ضمن خطاب اقتصادي يركز على التنويع القطاعي – الفلاحة، السياحة، الخدمات، والصناعة – كآلية لتقوية المناعة الاقتصادية ضد الصدمات الخارجية. فالحديث عن استقبال نحو 20 مليون سائح وتسجيل مؤشرات نمو في القطاع السياحي يندرج ضمن استراتيجية إبراز مصادر دخل بديلة تخفف من الضغط الناتج عن تقلبات الطاقة والتجارة الدولية.
لكن خلف هذا التأكيد على الجاهزية والاستعداد، يظل السؤال المطروح: هل تكفي الاحتياطيات المالية والمزيج الطاقي الحالي لاحتواء سيناريو تصعيد طويل الأمد قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في أسعار النفط وتعطل طرق الشحن البحرية؟ أم أن الاقتصاد المغربي، رغم مرونته، سيظل عرضة لارتدادات غير مباشرة في حال استمرار عدم الاستقرار الإقليمي؟
في المحصلة، تعكس المواقف الحكومية محاولة لإدارة المخاطر عبر خطاب استباقي يزاوج بين الطمأنة والتحذير الضمني من تبعات المرحلة. ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، تبقى الأسواق المالية وأسعار الطاقة العامل الحاسم في اختبار قدرة المغرب على تحويل هذه الاستعدادات المعلنة إلى حماية فعلية للتوازنات الاقتصادية والاجتماعية.