بين ثروة تُعلن وفقر يُعاش: الأمن الغذائي تحت الضغط… لماذا يستورد المغرب ما ينتج ويُصدّر ما يحتاجه؟

0
126

تطرح التدوينة المطولة للفاعل الرقمي أيوب الرضواني صورة مكثفة عن شعور اجتماعي متنامٍ في المغرب، قوامه مفارقة صارخة بين وفرة الموارد الطبيعية وتنامي المؤشرات الاقتصادية من جهة، واستمرار الإحساس بالضغط المعيشي لدى المواطن من جهة أخرى. النص، في ظاهره، خطاب نقدي مباشر، لكنه في عمقه يعكس أزمة ثقة مركبة بين السياسات العمومية ونتائجها الملموسة على الحياة اليومية، حيث تتحول الأرقام الكبرى – من أرباح الفوسفات إلى الاستثمارات الفلاحية – إلى عناصر تُستدعى ليس للاحتفاء، بل للمساءلة.

في هذا السياق، تحضر مؤسسة المجمع الشريف للفوسفاط كرمز لهذه المفارقة. فحين تُعلن أرباح بمليارات الدراهم، يُطرح سؤال بسيط لكنه ثقيل الدلالة: أين ينعكس ذلك في حياة المواطن؟ هذا الطرح لا يستهدف المؤسسة بحد ذاتها، بقدر ما يكشف فجوة في إدراك توزيع الثروة، حيث تبدو الثروات الطبيعية وكأنها تتحرك في دوائر مغلقة لا تصل إلى المجال الاجتماعي الواسع.

وتتوسع هذه المفارقة مع الحديث عن مئات رخص البحث المنجمي في الجهة الشرقية، ما يعيد طرح إشكالية النمو غير المتكافئ. فالتنمية هنا تُقاس من زاوية الاستثمار والتراخيص، بينما يقيسها المواطن من زاوية القدرة الشرائية والخدمات الأساسية. بين المؤشرين، تتشكل فجوة إدراكية تُغذي خطاباً نقدياً يتهم السياسات العمومية بعدم تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية.

في محور آخر، تنتقل التدوينة إلى ملف المحروقات، حيث تتحول الأحداث الجيوسياسية، مثل التوترات المرتبطة بـمضيق هرمز، إلى مبرر لزيادات فورية في الأسعار. غير أن الإشكال الذي تثيره التدوينة لا يتعلق فقط بالزيادة، بل بسرعة انعكاسها على السوق المحلية، مقارنة ببطء انخفاضها حين تتراجع الأسعار عالمياً. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”اختلال الزمن الاقتصادي”، حيث يتحمل المواطن الكلفة فوراً، دون أن يستفيد بنفس الوتيرة من الانفراجات.

أما قطاع اللحوم، فيُقدَّم كنموذج آخر لتعقيد السياسات العمومية. فالدعم المالي والإعفاءات الضريبية، رغم ضخامتها، لم تنعكس – حسب الطرح – على استقرار الأسعار. هذه المفارقة تفتح النقاش حول فعالية آليات الدعم، وهل تُوجَّه فعلاً نحو تحقيق التوازن في السوق، أم أنها تعيد إنتاج نفس البنية الاحتكارية التي تتحكم في الأسعار.

ويبلغ الخطاب ذروته عند مناقشة السياسات الفلاحية، خاصة في سياق برامج مثل مخطط المغرب الأخضر وامتداداته. هنا، يتم تقديم صورة لاقتصاد فلاحي موجَّه نحو التصدير، حيث تُفضل المنتجات ذات القيمة العالية للأسواق الخارجية، بينما يواجه السوق الداخلي اختلالات في العرض والأسعار. هذه المفارقة تعيد طرح سؤال السيادة الغذائية: هل الهدف هو تحقيق توازن داخلي أم تعظيم العائدات الخارجية؟

ولا يقف النقد عند هذا الحد، بل يمتد إلى إدارة الموارد المائية، حيث تُطرح مشاريع تحلية المياه كحل استراتيجي لمواجهة الجفاف. غير أن التدوينة تثير إشكالية الكلفة والجودة، ما يعكس قلقاً أوسع حول استدامة هذه الخيارات، خاصة في ظل الضغط المتزايد على الفرشة المائية واستنزافها في الزراعات التصديرية مثل الأفوكادو.

في قطاع الصيد البحري، تتكرر نفس الصورة: وفرة في الإنتاج تقابلها أسعار مرتفعة محلياً. هذا التناقض يعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة في سلاسل التوزيع، حيث يبدو أن القيمة المضافة تُخلق خارج السوق الداخلية، بينما يتحمل المواطن كلفة الوصول إلى منتج يفترض أنه محلي ومتوافر.

وتكشف التدوينة، في عمقها، عن ثنائية حادة في تصور العلاقة مع الخارج. فمن جهة، يتم الانفتاح على التصدير وجلب العملة الصعبة، ومن جهة أخرى، يتم تحميل الخارج مسؤولية كشف الهشاشة الداخلية، سواء في مجال الأمن الطاقي أو الغذائي. هذه الازدواجية تعكس غياب سردية اقتصادية متماسكة توازن بين الانفتاح والحماية.

كما يبرز في النص نقد ضمني لمؤسسات الضبط، مثل مجلس المنافسة، التي تُقدَّم كوجهة شكلية للتظلم أكثر من كونها آلية فعالة لضبط السوق. هذا الطرح يعكس أزمة ثقة في آليات الوساطة المؤسساتية، حيث يشعر المواطن أن أدوات الحماية القانونية لا تواكب سرعة تحولات السوق.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه التدوينة فقط كخطاب احتجاجي، بل كمرآة لتحول أعمق في المزاج الاجتماعي. إنها تعكس انتقال النقاش من مستوى المطالب الظرفية إلى مساءلة النموذج الاقتصادي نفسه: كيف يمكن لبلد غني بالموارد أن يعاني جزء من مواطنيه من ضغط معيشي متزايد؟ وهل تكمن المشكلة في ندرة الموارد، أم في طرق توزيعها وتدبيرها؟

هكذا، يتحول النص من مجرد تدوينة فايسبوكية إلى مادة تحليلية تفتح أسئلة كبرى حول العدالة الاقتصادية، فعالية السياسات العمومية، وحدود النمو القائم على التصدير. وهي أسئلة لا تجد إجاباتها في الأرقام وحدها، بل في قدرة السياسات على تحويل تلك الأرقام إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.