في لحظةٍ تبدو فيها الدولة منشغلة برسم ملامح “مغرب 2030”، خرجت تغريدة المستشار الجماعي لتعيد النقاش إلى نقطة الصفر: ليس حول الملاعب في حد ذاتها، بل حول معنى الأولويات، ومن يحددها، وعلى أي أساس تُبنى. فبين خطاب رسمي يُبشّر بالتحول إلى قطب رياضي عالمي، وصوت نقدي يرى في ذلك تبديدًا للموارد، تتكشف فجوة عميقة بين منطق الاستثمار الاستراتيجي ومنطق العدالة الاجتماعية.
تغريدة المستشار لا تكتفي بانتقاد مشروع واحد، بل تُحوّل ملعب بنسليمان—أو “ملعب الحسن الثاني”—إلى رمز لسؤال أكبر: هل تتحول البنية التحتية الرياضية إلى رافعة تنموية، أم إلى عبء مالي طويل الأمد؟ المعطيات المتوفرة تشير إلى أن المشروع، الذي يُعد أحد أكبر ملاعب العالم بسعة تقارب 115 ألف متفرج، يدخل ضمن استعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 .
وقد قُدّرت كلفة المشروع في مراحل أولى بأكثر من 5 مليارات درهم، مع تخصيص ما يزيد عن 3 مليارات درهم للأشغال الكبرى وحدها ، بينما تُظهر صفقات لاحقة أن أجزاءً منفصلة من المشروع—كمرحلة البناء الثانية—تصل إلى حوالي 3.2 مليار درهم ، إضافة إلى بنية تحتية مرافقة مثل الطرق التي تتجاوز 60 مليار سنتيم .
هنا تحديدًا تتقاطع أرقام الواقع مع مبالغة الخطاب السياسي: فالتغريدة تتحدث عن تضخم الكلفة إلى 7.5 مليار درهم ثم 10 مليارات، وهو رقم لا تؤكده كل المعطيات الرسمية بشكل مباشر، لكنه يجد جذوره في تعدد الصفقات وتراكم التكاليف غير المباشرة، من تهيئة الأرضية إلى الربط الطرقي والتجهيزات المحيطة. بمعنى آخر، ما يبدو “تضخيمًا” في الخطاب النقدي، قد يكون في العمق انعكاسًا لغياب رؤية مالية موحدة وشاملة تُقدّم للرأي العام.
لكن جوهر التغريدة لا يقف عند الأرقام، بل يتجه نحو مفارقة سياسية حادة: كيف يمكن لدولة تستثمر مليارات الدراهم في منشآت ستُستخدم بشكل مكثف لبضعة أسابيع خلال التظاهرات الكبرى، أن تُعلن في الوقت ذاته محدودية الموارد عندما يتعلق الأمر بالصحة أو القدرة الشرائية؟ هذا السؤال ليس جديدًا، بل يتكرر في تجارب دول عديدة نظمت أحداثًا كبرى، حيث غالبًا ما تتحول الملاعب إلى ما يسميه خبراء الاقتصاد “الأصول غير المستغلة” بعد انتهاء الحدث.
غير أن القراءة المقابلة—والتي تغيب عن التغريدة—تستند إلى منطق استثماري طويل الأمد: فالملاعب ليست مجرد فضاءات لمباريات كرة القدم، بل جزء من منظومة تشمل السياحة، والنقل، والعقار، وجذب الاستثمارات. مشروع بنسليمان، مثلًا، لا يقتصر على ملعب، بل يرتبط بمدينة رياضية متكاملة ومرافق متعددة ، وهو ما يعكس تصورًا لتحويل الحدث الرياضي إلى رافعة اقتصادية أوسع.
هنا يتضح أن الصراع ليس بين “تبذير” و”تنمية”، بل بين زمنين مختلفين: زمن اجتماعي يطالب بإجابات فورية على الغلاء والبطالة، وزمن استثماري يراهن على عوائد مستقبلية غير مضمونة. تغريدة المستشار تنحاز بوضوح إلى الزمن الأول، وتُعبّر عن إحساس متزايد لدى فئات من المجتمع بأن كلفة الانتظار أصبحت مرتفعة جدًا.
في العمق، تطرح هذه التغريدة سؤالًا أكثر حساسية: هل يمتلك المغرب آلية واضحة لتقييم مردودية هذه المشاريع بعد إنجازها؟ لأن النقاش الحقيقي لا يتعلق ببناء الملعب من عدمه، بل بقدرته على خلق قيمة مضافة مستدامة، وتفادي سيناريو “ملاعب الأشباح” الذي عرفته دول أخرى.
وبين خطاب رسمي يعد بـ”مغرب المستقبل”، وخطاب نقدي يحذر من “مغرب الواجهة”، يبقى الرهان الحقيقي ليس في حجم الاستثمار، بل في قدرته على تحقيق التوازن بين صورة الدولة في الخارج وكرامة المواطن في الداخل.