أحكام “الطريق السيار”.. هل أغلقت المحكمة ملف المتابعين أم فتحت نقاشاً أكبر حول علاقة الدولة بـ”جيل زد”؟
لم تكن الأحكام التي صدرت ليلة الخميس عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء مجرد نهاية مسطرة قضائية تخص ثمانية عشر شاباً وجدوا أنفسهم في مواجهة القانون بعد مشاركتهم في احتجاجات الطريق السيار. فالقضية، منذ لحظة اندلاعها، تجاوزت حدود واقعة مرتبطة بعرقلة حركة السير، وتحولت إلى مرآة تعكس أسئلة أعمق حول طبيعة الاحتجاج في المغرب، وحدود التعبير الجماعي في عصر المنصات الرقمية، وكيف تنظر المؤسسات إلى جيل جديد يصعب إخضاعه للقوالب التقليدية التي اعتادت الدولة والمجتمع التعامل بها مع الأجيال السابقة.
الأحكام التي وصفت من قبل عدد من المتابعين بأنها “مخففة” أنهت عملياً اعتقال أغلب المتابعين، بعدما قضت المحكمة بثمانية أشهر حبساً نافذاً في حق ثلاثة عشر متهماً، وهي مدة سبق أن قضوها رهن الاعتقال الاحتياطي، فيما نال ثلاثة آخرون سنة واحدة موقوفة التنفيذ. وحدهما متهمان سيواصلان قضاء فترة إضافية قصيرة داخل السجن بعد الحكم عليهما بتسعة أشهر حبساً نافذاً. وبالنسبة لعائلات المعتقلين، فإن المشهد بدا وكأنه لحظة انفراج طال انتظارها، بعد شهور من الترقب والقلق والمتابعة اليومية لتطورات الملف.
لكن القراءة القانونية البحتة لا تكفي لفهم ما جرى. فهذه القضية، منذ بدايتها، كانت تحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية تتجاوز بكثير عدد المتابعين فيها أو طبيعة التهم الموجهة إليهم. فالمغرب، كما هو حال عدد من دول العالم، يواجه منذ سنوات تحولاً عميقاً في سلوك الأجيال الجديدة، خصوصاً الفئة التي تُصنف ضمن ما يعرف عالمياً بـ”جيل زد”، وهو جيل تشكل وعيه داخل الفضاء الرقمي أكثر مما تشكل داخل المؤسسات التقليدية؛ جيل يتلقى الأخبار عبر الهاتف، وينظم نفسه عبر التطبيقات، ويصنع رموزه ولغته الخاصة بعيداً عن الأحزاب والنقابات والتنظيمات الكلاسيكية.
من هذه الزاوية، لم تكن احتجاجات الطريق السيار مجرد دعوة عابرة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. لقد كانت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على التعامل مع أنماط جديدة من التعبئة الجماعية لا تمتلك قيادة واضحة، ولا ترفع مطالب سياسية مؤطرة، ولا تخضع لمنطق الوساطة التقليدية. وهنا تكمن إحدى أبرز تعقيدات الملف؛ إذ وجدت السلطات نفسها أمام تحرك شبابي سريع الانتشار، قادر على استقطاب المشاركين في وقت قياسي، لكنه في المقابل يفتقر إلى الهيكلة والتنظيم والمسؤولية القانونية الواضحة.
السلطات من جهتها نظرت إلى الواقعة من زاوية النظام العام. فالطريق السيار ليس مجرد فضاء عمومي عادي، بل شريان اقتصادي وحيوي يربط أجزاء من العاصمة الاقتصادية، وأي تعطيل لحركته ينعكس مباشرة على تنقل المواطنين وعلى النشاط الاقتصادي والأمني. لذلك اعتبرت النيابة العامة أن الأمر يتعلق بأفعال تستوجب المتابعة القضائية، خاصة مع ما رافق الاحتجاجات من اضطراب في حركة السير ومخاطر محتملة على سلامة المشاركين ومستعملي الطريق.
غير أن السؤال الذي ظل مطروحاً منذ بداية الملف لم يكن متعلقاً فقط بمشروعية تدخل السلطات، بل أيضاً بطبيعة الرسالة التي أرادت الدولة توجيهها. هل كان الهدف هو الردع القانوني الصارم؟ أم البحث عن توازن دقيق بين حماية النظام العام وتجنب إنتاج حالة احتقان جديدة داخل أوساط الشباب؟
الأحكام الصادرة توحي بأن القضاء اختار، إلى حد كبير، مقاربة وسطية. فمن جهة، لم يتم إسقاط المتابعات أو إعلان البراءة الجماعية، بما يعني التأكيد على أن تعطيل مرفق حيوي لا يمكن أن يمر دون مساءلة. ومن جهة ثانية، لم تتجه الأحكام نحو أقصى درجات التشدد، وهو ما سمح بخروج غالبية المتابعين فور صدور القرار، وكأن المؤسسة القضائية أرادت أن ترسم حدوداً واضحة بين تطبيق القانون وبين تفادي تحويل الملف إلى أزمة اجتماعية أوسع.
وفي العمق، تكشف القضية عن أزمة تواصل أكبر من الملف نفسه. فالكثير من الشباب الذين انجذبوا إلى دعوات الاحتجاج لا ينتمون إلى تنظيمات سياسية أو نقابية، ولا يجدون أنفسهم ممثلين داخل الأطر الوسيطة التقليدية. إنهم يعبرون عن مواقفهم ومطالبهم عبر الفضاء الرقمي، ويعتبرون شبكات التواصل الاجتماعي فضاءً طبيعياً للتعبئة والحشد. غير أن الانتقال من العالم الافتراضي إلى الفضاء العمومي يضعهم فجأة أمام منظومة قانونية ومؤسساتية تختلف قواعدها كلياً عن منطق التفاعل الرقمي السريع.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي الذي تواجهه الدولة والمجتمع معاً. فالمسألة ليست فقط كيف يمكن منع الاحتجاجات غير القانونية، بل كيف يمكن خلق قنوات جديدة للاستماع إلى جيل يتغير بسرعة تفوق أحياناً قدرة المؤسسات على استيعابه. ذلك أن المقاربة الأمنية أو القضائية، مهما كانت ضرورية في بعض الحالات، لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى البحث عن أشكال احتجاج غير مألوفة.
كما أن القضية تطرح سؤالاً آخر يتعلق بالتحولات التي يشهدها مفهوم المواطنة نفسه. فالأجيال الجديدة لم تعد تقيس مشاركتها في الشأن العام بالانخراط الحزبي أو النقابي فقط، بل أصبحت تعتبر التفاعل الرقمي والتعبئة الإلكترونية شكلاً من أشكال الفعل المدني. غير أن هذا التحول يخلق منطقة رمادية بين حرية التعبير وضرورة احترام القانون، وهي منطقة لا تزال المجتمعات الحديثة كلها تبحث عن كيفية تدبيرها.
ومهما كانت القراءات المختلفة للأحكام الصادرة، فإن الملف يبدو اليوم وقد طُوي قضائياً، لكنه لم يُغلق اجتماعياً أو سياسياً. فخروج المعتقلين من السجن قد ينهي مرحلة من التوتر، لكنه لا يلغي الأسئلة التي فجرتها القضية منذ بدايتها: لماذا يشعر جزء من الشباب بالحاجة إلى اللجوء إلى أشكال احتجاج صادمة للفت الانتباه؟ وهل تمتلك المؤسسات الحالية ما يكفي من المرونة لاستيعاب التحولات التي أحدثها العصر الرقمي في أنماط التعبير والمشاركة؟
ربما لهذا السبب لا تكمن أهمية هذه القضية في عدد الأحكام الصادرة أو في مدة العقوبات المحكوم بها، بل في ما كشفته من فجوة آخذة في الاتساع بين سرعة التحولات الاجتماعية والرقمية من جهة، وإيقاع المؤسسات التقليدية من جهة أخرى. فالقصة الحقيقية لم تكن قصة ثمانية عشر شاباً أمام المحكمة، بل قصة مجتمع بأكمله يحاول أن يجد لغة مشتركة بين القانون والاحتجاج، وبين النظام العام وتطلعات جيل جديد يرفض أن يعيش بالمنطق نفسه الذي حكم الأجيال السابقة.
ويبقى السؤال الأعمق معلقاً بعد إسدال الستار على الملف: هل كانت أحكام الطريق السيار نهاية أزمة عابرة، أم أنها مجرد إشارة مبكرة إلى شكل جديد من العلاقة التي ستربط الدولة المغربية بأجيال وُلدت داخل العالم الرقمي وتريد أن تفرض حضورها في المجال العام بقواعد مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها الماضي؟