“78 درهمًا للبوتان و3 دراهم لكل لتر: الحكومة تواجه انفجار أسعار الطاقة بين دعم مؤقت وأزمة مستترة”

0
132

تبدو الأرقام مطمئِنة على الورق، لكنها مُربِكة في الواقع، خرج فوزي لقجع ليعلن أن الدولة المغربية دخلت مرحلة “الدعم الثقيل” لمواجهة موجة ارتفاع أسعار الطاقة، مؤكداً أن الحكومة باتت تتحمل 78 درهماً عن كل قنينة غاز، وتمنح مهنيي النقل دعماً يصل إلى 3 دراهم عن كل لتر من المحروقات. غير أن ما يبدو كسياسة حماية اجتماعية، يخفي في عمقه أسئلة أكثر تعقيداً حول الكلفة، والنجاعة، وحدود الاستدامة.

من زاوية أولى، تبدو المؤشرات الدولية التي استند إليها التصريح مقلقة: ارتفاع النفط بنسبة 44%، والغازوال بـ75%، وغاز البوتان بـ38% خلال فترة وجيزة. هذه القفزات ليست مجرد أرقام معزولة، بل تعكس اضطراباً هيكلياً في أسواق الطاقة العالمية، مرتبطاً بتداعيات التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب في الشرق الأوسط، التي أعادت رسم خريطة العرض والطلب ورفعت كلفة الإنتاج والنقل عالمياً.

لكن المفارقة الأساسية تكمن في أن الدولة، بدل تمرير هذه الزيادات إلى المستهلك، اختارت امتصاص الصدمة عبر الميزانية العامة. هنا تحديداً تبدأ الإشكالية: هل نحن أمام سياسة اجتماعية حمائية، أم أمام تأجيل للأزمة؟

تشير المعطيات المعلنة إلى أن دعم غاز البوتان وحده يكلف حوالي 600 مليون درهم شهرياً، بينما يصل دعم مدخلات الكهرباء إلى 400 مليون درهم، ودعم النقل إلى 648 مليون درهم. أي أن الكلفة الإجمالية تقترب من 1.65 مليار درهم شهرياً، وهو رقم ثقيل يطرح سؤال التوازنات المالية في ظل سياق اقتصادي عالمي غير مستقر.

على مستوى الأثر المباشر، لا شك أن هذه الإجراءات تمنح “تنفساً مؤقتاً” للأسر المغربية، خاصة الفئات الهشة التي تعتمد بشكل شبه كلي على قنينة الغاز في الاستهلاك اليومي. كما أنها تحد من انتقال عدوى التضخم إلى أسعار النقل، وبالتالي إلى أسعار المواد الغذائية والخدمات. غير أن هذا “التنفس” يظل مشروطاً بقدرة الدولة على الاستمرار في تمويله، وهو شرط غير مضمون في حال استمرار الأسعار الدولية في الارتفاع.

أما على المستوى المضمَر، فثمة سؤال أكثر حساسية: من يستفيد فعلياً من هذا الدعم؟
رغم الحديث عن “تحسين الاستهداف” في دعم مهنيي النقل، فإن التجارب السابقة أظهرت أن جزءاً من الدعم لا ينعكس دائماً على الأسعار النهائية، بل قد يُمتص داخل حلقات الوساطة أو يُستعمل لتعويض خسائر سابقة. بمعنى آخر، قد تتحمل الدولة الكلفة دون أن يصل الأثر الكامل إلى المواطن.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز معطى أكثر عمقاً يتعلق بطبيعة النموذج الطاقي المغربي. فاستمرار الاعتماد الكبير على الاستيراد يجعل البلاد رهينة للتقلبات الدولية، ويُبقي السياسات العمومية في موقع رد الفعل بدل المبادرة. وهنا يتحول الدعم من أداة ظرفية إلى آلية شبه دائمة، ما يهدد بتحويله إلى عبء هيكلي على المالية العمومية.

اللافت أيضاً أن الحكومة، وهي تتحدث عن “الحفاظ على الأسعار في مستويات ما قبل الأزمة”، تُقر ضمنياً بأن السوق لم يعد قادراً على تحقيق هذا التوازن بشكل ذاتي. أي أن التدخل العمومي لم يعد خياراً، بل ضرورة. غير أن الضرورة لا تعني بالضرورة الفعالية، خصوصاً إذا لم تُواكب بإصلاحات موازية في سلاسل التوزيع، والمنافسة، والشفافية في سوق المحروقات.

في المحصلة، لا يمكن قراءة تصريحات فوزي لقجع فقط كإعلان عن إجراءات تقنية، بل كإشارة إلى مرحلة اقتصادية دقيقة: الدولة تدفع أكثر لتُبقي الأسعار مستقرة، بينما تتزايد الشكوك حول مدى قدرة هذا التوازن على الصمود.
فهل نحن أمام سياسة إنقاذ اجتماعي ضرورية، أم أمام إعادة إنتاج مؤجلة لأزمة أعمق؟
وهل يتحول الدعم إلى جسر نحو إصلاح حقيقي، أم إلى “مسكّن” يطيل عمر اختلالات بنيوية لم تُحل بعد؟