بوانو يفجّر الحصيلة الحكومية: أرقام رسمية في القاعة… وسوقٌ يُسقطها في الشارع

0
137

لم تكن جلسة مناقشة الحصيلة المرحلية للحكومة مجرد محطة بروتوكولية داخل المؤسسة التشريعية، بل تحولت إلى مساحة مواجهة سياسية مفتوحة، أعاد فيها عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ترتيب العلاقة بين الأرقام الرسمية والواقع الاجتماعي، واضعًا الحكومة أمام مساءلة تتجاوز لغة العرض إلى منطق المحاكمة السياسية بالأثر المعيشي المباشر.

بوانو اختار أن يبدأ من خارج دائرة الجدل الاقتصادي الضيق، عبر استحضار ملف الوحدة الترابية وما تحقق فيه من مكاسب دبلوماسية تحت القيادة الملكية، مع الإشادة بدور المؤسسات الأمنية والعسكرية في تعزيز موقع المغرب دوليًا. غير أن هذا التمهيد لم يكن، في جوهره، فصلًا احتفائيًا بقدر ما كان تفريقًا محسوبًا بين منجزات الدولة كقوة سيادية، وبين حصيلة الحكومة كجهاز تدبيري، في إشارة مبكرة إلى أن تراكم الإنجازات الوطنية لا يمكن أن يُستخدم كغطاء سياسي لتقييم الأداء التنفيذي.

ومن هذا التمييز، انتقل الخطاب إلى تفكيك توقيت تقديم الحصيلة الحكومية، معتبرًا أن عرضها قبل نهاية الولاية بمدة قصيرة يطرح سؤال الجدوى أكثر مما يقدّم إجابة عن النتائج. فبدل أن يكون النقاش، حسب تصوره، مناسبة لتقييم حصيلة مكتملة، بدا أقرب إلى عرض سياسي في منتصف طريق لم يُحسم بعد، ما يعكس، في نظره، توترًا بين منطق التسويق السياسي ومتطلبات المساءلة الديمقراطية.

على المستوى المؤسساتي، وجه بوانو انتقادات مباشرة لطبيعة تفاعل رئيس الحكومة مع الرقابة البرلمانية، مستندًا إلى معطيات تتعلق بضعف الحضور داخل جلسات الأسئلة، وتراجع وتيرة التفاعل مع المبادرات الرقابية. هذا المعطى لم يُقدَّم كرقم معزول، بل كعلامة على اختلال أوسع في توازن العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث يُطرح سؤال حضور الحكومة داخل الفضاء الرقابي بقدر ما يُطرح سؤال إنجازها خارجه.

غير أن أكثر محاور المداخلة حساسية تمثل في فتح ملفات مرتبطة بتضارب المصالح، خصوصًا في قطاعي المحروقات والطاقة، حيث أشار المتحدث إلى وجود تقاطعات بين القرار العمومي والمصالح الاقتصادية الخاصة. هذا الطرح، وإن قُدم داخل سقف سياسي، يعيد إحياء نقاش أوسع حول حدود الشفافية في تدبير القطاعات الاستراتيجية، ومدى قدرة الإطار التنظيمي الحالي على حماية مبدأ تكافؤ الفرص في الاقتصاد الوطني.

في سياق متصل، عاد ملف الدعم العمومي لاستيراد الماشية إلى الواجهة، من خلال تساؤلات حول جدوى ضخ موارد مالية ضخمة في السوق دون أن ينعكس ذلك على أسعار اللحوم. الفجوة بين الدعم المعلن والنتيجة الملموسة في الأسعار أعادت طرح سؤال الوساطة الاقتصادية: من يستفيد فعليًا من هذه السياسات؟ المستهلك أم حلقات الوساطة التجارية؟

هذا النقاش امتد إلى البعد الاجتماعي المباشر، حيث تم ربط ارتفاع أسعار المواد الأساسية، وعلى رأسها اللحوم والخضر والمحروقات، بتراجع القدرة الشرائية للأسر. في هذا السياق، لم يعد الحديث عن “مؤشرات اقتصادية” مجرد معطيات تقنية، بل تحول إلى توصيف لحالة اجتماعية ضاغطة، حيث تصبح الأسعار اليومية هي اللغة الأكثر وضوحًا لتقييم السياسات العمومية.

كما توقف بوانو عند موجة الاحتجاجات التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا إياها مؤشرًا على تصاعد منسوب الاحتقان الاجتماعي، وليس مجرد أحداث معزولة. في هذا التحليل، تتحول الاحتجاجات من ظاهرة ظرفية إلى مرآة لسياسات عامة لم تنجح، حسب تعبيره، في استيعاب مطالب فئات واسعة، خصوصًا الشباب.

أما على المستوى الاقتصادي الكلي، فقد شكك في بعض المؤشرات الرسمية المتعلقة بالنمو، مقدّمًا قراءة بديلة ترى أن الفوارق بين الأرقام المعلنة والواقع الملموس تعكس إشكالًا في منهجية القياس بقدر ما تعكس إشكالًا في الأداء. وفي السياق نفسه، اعتبر أن هدف خلق مليون منصب شغل يظل بعيد التحقق في ظل المعطيات الحالية لسوق الشغل.

ولم تغب زاوية الحكامة الإدارية عن التدخل، حيث أُثيرت مسألة التعيينات داخل المؤسسات العمومية، مع الإشارة إلى حضور الاعتبارات الحزبية في بعض المواقع، بما يطرح سؤال التوازن بين منطق الكفاءة ومنطق الانتماء السياسي داخل دواليب الإدارة.

في المحصلة، قدمت المداخلة قراءة سياسية شاملة لحصيلة الحكومة، لكنها في العمق أعادت صياغة السؤال المركزي: هل تقاس السياسات العمومية بما يُعلن من أرقام، أم بما يعيشه المواطن في السوق والشارع والقدرة الشرائية اليومية؟ بين هذين المستويين، تتشكل فجوة لا تحسمها الخطابات، بل تختبرها الوقائع.